بعضها أولى بالتقدم من البعض الآخر وأما المتقدم في كل قسم فهو أولى بالمعنى الذي هو ملاك تقدمه على المتأخر فيه ولا يلزم أن يكون أولى بالتقدم من المتأخر فإذن لا استبعاد في كون معنى التفاوت والتشكيك واقعا على أقسامه على وجه التفاوت والتشكيك بأن بعض أشد تشكيكا بين أفراده في نفس معناه من البعض الآخر فكذلك معنى التقدم واقع على أقسامه الخمسة على المشهور بالتشكيك ولا يلزم من ذلك أن المتقدم في كل قسم يكون أولى بالتقدم من المتأخر فيه فالغلط إنما نشأ من الخلط بين المقسم والقسم أو بين القسم وقسم القسم
[ في بيان القدم بالزمان والمكان ]
قوله والمشهور عند الجمهور إلى آخره يريد ذكر أقسام التقدم والتأخر وكيفية نشوء بعضها عن بعض مع التنبيه على القدر المشترك بينها كما هو رأيه فالمشهور من أقسام التقدم بين الجمهور هو هذا أن القسمان أعني ما في المكان وما في الزمان وذلك لكونهما في المرتبات المكشوفة عند الحس كان عندهم أولا في أشياء لها ترتيب فما هو قريب إلى حد مكاني فرض أو وجد مبدأ فله تقدم على ما هو بعيد منه لأن له أن يلي ذلك المبدأ حيث لا يلي ما هو بعده ولا يليه ما هو البعد إلا وقد وليه الأقرب وكذلك حال أجزاء الزمان بالنسبة إلى الآن الحاضر أو غيره لكن يختلف الحال ويتعاكس بحسب الماضي والمستقبل بالنسبة إلى الآنين واعلم أن الغرض هاهنا ليس تعريف كل قسم قسم من أقسام التقدم بخصوصه ليرد عليه أن ما ذكره في التقدم الزماني هو بعينه حال التقدم الرتبي من غير فرق بل الغرض بيان اشتراكها في معنى واحد ثم نقل اسم التقدم من ذلك أي مما له ترتيب مكاني أو زماني إلى ما له ترتيب ولو في العقل لا في العين فكل ما هو أقرب إلى مبدأ محدود معين في الخارج أو في الوهم فهو أقدم مما هو أبعد منه وذلك الترتيب أعم من أن يكون طبيعيا أو وضعيا أو اتفاقيا فالأول كما بين الأجناس والأنواع المترتبة من جنس الأجناس إلى الشخص أو من الشخص إلى جنس الأجناس إذا جعل الشخص مبدأ فيختلف الحال في التقدم والتأخر بحسب وضع كل من الحدين مبدأ فجعل أحد الحدين أو غيره مبدأ وإن كان بالوضع لكن مراتب القرب والبعد بالقياس ليس بوضع واضع بل بمقتضى الطبع والترتيب الواقع في درجات كمالية لشخص واحد كالجنينية والصبا والشباب والكهولة والشيخوخة والهرم ترتب طبيعي أيضا كما بين أجناسه وفصوله لكن ذلك بحسب الماهية وهذا بحسب الشخصية فالصبا لكونه أقرب من مبدأ حركته الجوهرية من الرجولية فيكون أقدم منها وكذا الشباب أقدم من الكهولة هذا إذا جعل مبدأ لترتيب من ظرف المبدإ في الوجود إذا جعل المبدأ من الجانب الآخر انعكس حال التقدم والتأخر اللذين هما بحسب الرتبة وأما الثاني وهو الترتيب الوضعي والصناعي فكمراتب الحدة والثقل في النغمات فإنها بوضع الواضع واختياره وصنعه وكذا ترتيب الكلمات والألفاظ في الصناعات الكلامية وأما الثالث فهو كأعداد الحيوانات أو النباتات الواقعة على ترتيب خاص مكاني أو غيره لا عن قصد ولا عن طبع بل بمجرد البخت والاتفاق واعلم أن كثيرا من الناس تشوشت عليهم الاعتبارات فربما لم يجدوا الفرق بين التقدم بالطبع والتقدم الرتبي الطبيعي إذا اجتمعا ولم يعلموا أن التقدم الرتبي الطبيعي غير التقدم بالطبع ولهذا يختلف الحال في الرتبي فيصير المتقدم متأخرا وبالعكس إذا جعل المبدأ في السلسلة الطبيعية طرفا آخر بخلاف التقدم الطبيعي وكذا قد يقع الخلط منهم بين المتقدم بالطبع الذي لا يجامع المتأخر في الوجود وبين المتقدم في الزمان إذا اجتمعا في شيء واحد كالنطفة بالقياس إلى الحيوان المتكون منها فإنها متقدمة عليه بالزمان وهو ظاهر وبالطبع لأنها من جملة أسبابه بل لها ثلاثة أقسام من التقدم عليه هذان التقدمان والذي بالرتبة ترتيبا طبيعيا فالأول من حيث عدم اجتماعها معه والثاني من حيث كونها سببا له غير تام والثالث من جهة كونها واقعة في ترتيب وقع بين درجات استكمالاته بحسب القرب مما فرض مبدأ سواء كان مبدأ في الترتيب هو بعينه مبدأ في الطبيعة إلا قوله ثم نقل إلى أشياء أخرى فجعل الفائق والفاضل والسابق ولو في غير الفضل متقدما يعني نقل اسم التقدم بعد ما نقل من الزماني وضرب من الرتبي وهو المكاني إلى مطلق الرتبي سواء كان في المحسوسات أو في غيرها وسواء كان في الأمور الطبيعية أو الوضعية والاتفاقية إلى أشياء أخرى منها الكمال والنقص فجعل الكامل في شيء ولو في أمر حساس متقدما على دونه في ذلك الأمر وهذا هو المسمى عند الحكماء بالتقدم بالشرف على سبيل التغليب فالنور الشديد والظلمة الشديدة متقدمان بالشرف بالنسبة إلى النور الضعيف والظلمة الضعيفة فهاهنا كأنه قد جعل نفس الطبيعة المشتركة كالمبدإ المحدود كما في التقدم الرتبي ولهذا عرف بعضهم معنى الشدة والضعف بازدياد الطبيعة العامة في بعض الأفراد وانتقاصها في الآخر فعلى هذا تحقق هاهنا أيضا
المفهوم المشترك لجميع المقدمات فإن السابق والكامل في باب ما له ما ليس للتالي والناقص وليس يوجد له من هذا الباب إلا وهو حاصل للسابق مع زيادة كالسواد الشديد فله من الطبيعة السوادية ما ليس للسواد الضعيف وليس للسواد الضعيف من تلك الطبيعة شيء إلا وهو حاصل للفرد الشديد منها وكذلك الحال في كل ما له كمالية وتفوق في معنى ما كان كالمخدوم بالقياس إلى الخادم والرئيس بالقياس إلى المرءوس فإن معنى الاقتدار والاختيار في المخدوم والرئيس أكمل منه في الخادم والمرءوس فيوجد للمخدوم من بمعنى الاختيار وما يجري مجراه ما لم لا يوجد منه الخادم وكلما يقع من هذا الباب في الخادم وقع للمخدوم وكذا الرئيس والمرءوس واعلم أنه ليس المعنى المشترك المتفاضل في هذين المثالين هو معنى الخدمة والرئاسة كما يتوهم من ظاهر العنوان إذ ليست الخدمة مشتركة بين الخادم والمخدوم ثم لو كان التفاضل بحسبه كان الخادم أولى بهذا التقدم من المخدوم وكذا الرئاسة معنى ليست معنى مشتركا فيه بينهما بل المعنى المتفاضل فيه بينهما شيء آخر كالاختيار والعزة والتدبير والحكومة ونحو هذه الأمور التي لا ينفك غالبا عنهما وفي قوله فيتحرك باختيار الرئيس مناقشة فإنه يفهم منه التقدم بالطبع