تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فإذن قد يكون معه الشيء مرة ومرة لا يكون ونسبته إلى الذي يوجد والذي لا يوجد نسبة واحدة فليس المعلول في حالة يتميز بها وجوده عن عدمه ولا العلة في حالة يتميز بها تأثيرها عن لا تأثيرها ولا يتميز تكون المعلول عنها عن لا تكونه عنها تمييزا يتخالف به حالتاه حالة وجوده وحالة لا وجوده فليس كون العلة علة للوجود أولى من لا كونها ولا كونها علة لوجود الشيء أولى من كونها علة لعدمه والفطرة الصحيحة حاكمة بأن لا بد من انضمام حالة إلى المتساوي النسبة أي الممكن الإيجاد بها يتميز كونه موجدا عن لا كونه ثم ننقل الكلام إلى تلك الحالة فإن كان مع انضمامها حكم الإمكان باقيا لم يحصل بهذا الاعتبار الامتياز وأولوية أحد الجانبين من الآخر فإما أن يتسلسل إلى غير النهاية وهو محال في نفسه ومع ذلك فإما أن يكون حكم الإمكان وتساوي النسبتين باقيا فيحتاج إلى مرجح آخر فليست العلة معها حاصلة وإن كان مع انضمام شيء سواء كان واحدا أو كثيرا متناهيا أو غير متناه بطل حكم الإمكان وصار أحد الجانبين متميزا فكان موضوع العلة بالحقيقة ليس ذات المفروض علة أولا ولا وجودها بما هو وجودها بل المجموع المركب من وجود الذات ووجود شيء ينضم إليها أي شيء كان إرادة أو شهوة أو غضبا أو كيفية أو طبيعة حادثة أو غير ذلك وإن كان أمرا خارجا منتظرا لكون العلة علة كقدوم مسافر أو نزول مطر أو هبوب ريح أو وقوع وقت كفصل ربيع فإذا حصل ما به صارت العلة بحيث لا يتوقف صدور المعلول فيها على أمر آخر وجب صدوره عنها وبدونه امتنع صدوره فإذن ما لم يجب وجود المعلول عن العلة لم يوجد فالعلة بالحقيقة هي التي وجب بها وجود المعلول ووجب لها كونها علة فالذي يحتاج عليته إلى أمر زائد عليه فليس هو بعلة

[ في بيان أن العلة مع المعلول في الزمان أو الدهر أو غيرهما ]

قوله وهما معا في الزمان أو الدهر أو غير ذلك إلى آخره لما ثبت أن كل علة يجب منه وجود المعلول ويمتنع عدمه وكذا المعلول لا يمكن وجوده إلا بسبب وجود ما يجب عنه وجوده فكل منهما يمتنع انفكاكه عن صاحبه فهما معا في الزمان إن كان وجودهما معا في الزمان كحركة اليد وحركة المفتاح أو كانا معا في الدهر أركان وجودهما في الدهر أو كانا معا في السرمد والفرق بين هذه الثلاثة أن معية متغير مع متغير من حيث تغيره هو زمان أعني مسماه ومعية ثابت لمتغير لا من حيث تغيره بل من حيث ثباته أو وجوده مطلقا هو المعبر عنه بالدهر كنسبة العقل إلى الفلك ومعية الثابت للثابت يقال لها السرمد وهذه معان محصلة عبرت عنها الحكماء بهذه الألفاظ الثلاثة وليس الأمر كما زعمه الإمام الرازي من أنها ألفاظ هائلة ليس فيها معان محصلة بإزائها حيث قال في المحصل رادا على الفلاسفة بعد ما نقل قولهم إن نسبة المتغير إلى المتغير زمان ونسبة الثابت إلى المتغير دهر ونسبة الثابت إلى الثابت سرمد إن هذا التهويل خال عن التحصيل وذلك فإن المعية التي بين المتغيرات كالحركة مع الزمان معية متجددة متبدلة كنحو وجودها فهي نوع آخر من المعية وليست كالمعية التي بين الواجب جل ذكره وصفاته وأفعاله الأولية ولا كالمعية التي بين المفارق ونفس الزمان أو الحركة وما فيها فهذا الفرق معقول محصل سواء كان تهويلا أو غير تهويل وللمحصلين أن يصطلحوا في كل معنى على عبارة مخصوصة ولا نعني هاهنا بالتحصيل إلا دلالة العبارات على المعاني على أن هذه الألفاظ مأنوسة مستعملة في لسان الشرع في معان قريبة من هذه المعاني فهذه المعية بينهما في الوجود لا ينافي كون أحدهما أحق بالوجود وأقدم من الآخر فإن لك أن تقول الشعاع من الشمس وليس لك أن تقول الشمس من الشعاع وإن كانا معا في الدهر وكذا نقول تحركت اليد فتحرك المفتاح وهما معا في الزمان ثم اعلم أن بين العلة والمعلول معية التضايف إذ المتضايفان من حيث هما متضايفان لا بد أن يكونا معا بالضرورة وهذه المعية أيضا ليست بضائرة للتقدم والتأخر للذين لهما بحسب أصل الذات مع قطع النظر عما يعرضهما بحسب مفهوم العلية والمعلولية فالمؤثر في المعلول ذات العلة ووجودها لا وصف العلية وهي بذاتها متقدمة عليه وكذا المتأخر والمتأثر نفس ذات المعلول ووجوده لا وصف معلوليته حتى إن ما هو المتقدم على شيء آخر إنما تقدمه عليه ليس بحسب هذا الوصف الذي هو التقدم لأنه وصف إضافي لا يوجد إلا مع وصف المتأخر كما حقق آنفا فكل متقدم متقدم بذاته لا بوصفه وكل متأخر متأخر بذاته لا بوصفه والوصفان لكونهما إضافيان معان في الوجود لا تقدم لأحدهما على الآخر

[ في بيان معية العلة والمعلول ]

قوله ولقائل أن يقول إنه إذا كان إلى آخره منشأ هذا الإشكال أحد الأمرين أما تحقق المعية بينهما في الوجود والعدم فإنه متى وجد أحدهما وجد الآخر ومتى عدم عدم وقد علمت أن هذه المعية ليست في مقابلة هذا التقدم والتأخر وأما الاشتباه بين الوجود العلمي والوجود العيني فإن كلا من العلة والمعلول بحسب صورتهما العلمية علة للآخر بحسبهما ولا يلزم من ذلك أن لا يكون بينهما في الخارج فرق في التقدم والتأخر فالشيخ قبل الخوض في الجواب ذكر أن قول القائل إذا وجد كل منهما وجد الآخر كلام مجمل يحتمل معان بعضها صادقة في هذا الموضوع وبعضها كاذبة والصادق منها ليس بقادح للمقصود والقادح منها ليس بصادق فهاهنا أربعة احتمالات لاشتراك كل من لفظة إذا ولفظة وجد بين معنيين متغايرين فالأول مشترك بين الشرطية والظرفية والثاني مشترك بين الوجود العيني والعقلي فالمعنى الأول أن وجود كل منهما إذا حصل يجب عنه في الوجود نفسه أي في الخارج أن يحصل الآخر والمعنى الثاني أن وجود كل منهما إذا حصل يجب عنه في الوجود أن يكون قد حصل وجود الآخر والمعنى الثالث أن وجود كل منهما إذا حصل يجب عنه أن يحصل الآخر في العقل والمعنى الرابع أن وجود كل منهما إذا حصل يجب عنه في العقل أن يكون قد حصل الآخر في الوجود أو في العقل فقط فقوله لفظة إذا في هذه المواضع مشترك مغلط أراد به أنها كذلك سواء كانت بنفسها أو مع انضمام القرينة قوله فنقول إن الأول كاذب غير مسلم إلى آخره لما بين اشتراك القضية المذكورة بين هذه المفهومات شرع في تبيين معانيها ليخوض بعد ذلك في دفع