والموجود إذا وافقه كان صادقا وان لم يوافقه كان باطلا فليس يكون باختيار العالم وانما يكون بموافقة الوجود فإن كان اللّه تعالى ليس كما قالوا في كونه لا يعرف ولا يعلم بل هو عارف عالم بالموجودات فما نريد منهم التنزيه والاجلال ولا التعالى عما هو عليه وانما يتعالى عن مقابل ما هو عليه وما يخالف الوجود في صفاته وليس عقول الحاكمين منهم حكما عليه حتى يكون كما يرضون ويستوقفون بل ينبغي لهم ان يرضوا له بما رضى به لنفسه ويحكموا « 1 » امره واختياره على حكمهم واختيارهم والوجود على معرفتهم فكيف والذي يلزمهم فيما نزهوه منه أشنع كثيرا عند عقولهم لو فكروا فيما نزهوه منه واجلوه عنه فالتنزيه من تنزيههم والاجلال من اجلالهم أولى من تنزيههم واجلالهم لما يلزم من مقالتهم « 2 » من الجهل الذي هو عدم المعرفة ولا شيء أولى بالتنزيه والاجلال منه ولا جهل أعظم من جهل من نسب الجهل إلى معطى كل حكمة لكل حكيم وكل علم لكل عالم فإذا اعترفوا بأنه المبدأ الأول لكل وجود وموجود وكل ما في الوجود عنه ومنه ما خالفوا هذا بشيء ولا في شيء بأكثر من أنهم قالوا إنه عما عنه وما هو عما عنه فهو عنه بالبداية الحقيقية ونسبته اليه أولى فللعلم والمعرفة على قولهم مبدأ أول لا محالة ولا يكون غيره لان المبادى الأوائل عندهم ليست كثيرة بل قد سلموا واعترفوا وقالوا بان المبدأ الأول لسائر الموجودات واحد هو واجب الوجود بذاته فعنه صدر العلم والمعرفة أيضا لأنه ليس غيره فكيف يكون مبدأ صدور علوم العالمين ومعارف العارفين عمن لا معرفة له ولا علم عنده والعلم والمعرفة مما لا يقول أحد منهم بوجوب وجودهما بذاتهما وكل ما ليس واجب الوجود بذاته فوجوب وجوده عن واجب الوجود بذاته وموجد العلم معلم وخالق المعرفة معرف فكيف يعرف من لا يعرف ويعلم من لا يعلم هذا أصل لازم من جليل النظر لا وجه لرده بحجة برهانية ولا جدلية .
اما البرهانية فلان وجوب وجوده بذاته دون غيره من سائر مخلوقاته حق يقيني مكتسب بعلم برهاني . واما الجدلية فلأنه مما يسلمونه ويعترفون به ويوافقون
هامش
( 1 ) كذا - ولعله ولا يحكموا
( 2 ) كو - مقابلتهم .