فكما لا يجوز ان يقال ذلك في ذاتها فكذلك لا يقال في محفوظاتها ويطرد القياس عليه في ذهولها وغفلتها وتأملها ويقظتها وجهلها ومعرفتها لكنها لها حالة في تصرفها تشبه حركة المتحرك من الأجسام على ذاته بذاته ومن ذاته يتردد بها تأملها وادراكها لمخزونات علمها ومعرفتها بروية وقصد وإرادة لغرض مقصود ومعلوم مطلوب كما يكون في التأمل الفكري والنظر الارادى ويكون بغير روية بل بالطبع وفعلها الأصلي لها بذاتها وموجبات افعالها المختلفة في أوقاتها وحالاتها برويتها المترددة بحسب ادراكاتها ومدركاتها مما يخطر ببالها من محفوظاتها ويطرأ عليها من ملحوظاتها التي تدركها من مدركات الأعيان والأذهان معا فتلحظ في كل وقت شيئا بعد شئ وشيئا قبل شئ لان الملحوظ يشغلها عن غيره والمحفوظ لا يشغلها فإنها تلحظ بكلها وكنهها لما تلحظه ولا تتجزى على الملحوظات فإنها في ذلك هوية واحدة وليس كذلك حالها في الحفظ لما تحفظه وان كان وسعها فيه يتناهى إلى حد يضيق عما يزيد عليه .
وعلى أن الجماعة من القدماء اتفقوا على حافظ غير ملاحظ يسمونه القوة الحافظة ويرونها جسمانية وبينا نحن انها لا تمكن أن تكون جسمانية ولا يكون موضوعها الحامل لها جزء بدن الانسان ولا كله .
فان قال قائل انها قوة غير جسمانية وهي مع النفس ولها ، كان قوله جائزا غير واجب لكون ما يقوله من أن الحافظ هو المدرك الملاحظ جائزا أيضا لا يمتنع بما قيل ، فان دقق النظر وقال إن الذي احتججتم به من ادراكها لذاتها حالها فيه كحالها في غيره من مدركاتها وهو حصول صورة من المدرك مخزونة في خزانة الحفظ تستعاد إلى الذكر مثل غيرها .
قلنا في جوابه ان ذلك يكون بغيبة المدرك عن المدرك في وقت ما فاما مع كون المدرك هو الذات للذات فلا يغيب المدرك عن المدرك ولا يكون ادراكه بانتقاش صوره .
فان قيل انا لا ندرك أنفسنا ادراك المشاهدة كما ندرك ببصرنا بل ادراك الاستدلال
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 91
مساهمون: ابو البركات
ص٩١