الوجه الذي تدرك به نفوسنا لما تدركه من بعيد وقريب وصغير وكبير خصوصا من المبصرات فإنه فيها أبين وقد أوضح ان حكم غيرها من المحسوسات حكمها أيضا .
فاما المدركات الذهنية فقد قيل فيها انها صور كالمثل تتصور للأذهان وعندها من موجودات الأعيان بحيث تنتسب إليها بالهوهوية في حضور المدركات الوجودية المنسوبة إليها عند المدرك وغيبتها عنه حتى إذا أدرك المدرك عينا من الأعيان الموجودة وتمثل لها عنده صورة من ذلك الادراك تبقى بعد غيبة المدرك عند الذهن ثم تكون في بعض الأوقات خاطرة بالبال حاضرة عند الذهن ملحوظة منه كما تخطر ببالنا صورة زيد مع غيبته في بعض الأوقات وأكثرها غير خاطرة بالبال . ومتى رام الانسان برويته احضارها واخطارها بباله احضرها وربما حضرت سنوحا من غير طلب بحركة النفس على ذاتها بترددها في مخزوناتها ومحفوظاتها من المعارف والعلوم حتى متى عادت العين الوجودية حضرت عند المدرك الذي سبق حصول صورها عنده من الادراك الأول عرف ان هذا ذاك ، وبذلك يعرف الناس ما يعرفونه ومن يعرفونه من الصديق والعدو والنسيب والقريب واللذيذ والمؤذى والقنايا والمنازل ونحوها مما يصير معروفا فالمعرفة تحصل من الادراك وبالادراك اعني من ادراك سابق وبادراك ثان عائد يقول به القائل اعرف هذا أنه فلان الذي قال كذا وفعل كذا في يوم كذا بقرينة كذا مما وعاه ذهنه حينئذ وانحفظ عنده مع ما ادركه معه في زمان ومكان ، فقد قيل في علم النفس ان تلك الصور مع الاعتراف بأنها محفوظة عند النفس لا يمكن أن تكون منتقشة متصورة بالاشكال والمقادير المعروفة المذكورة المحفوظة الملحوظة في آلة هي جزء من البدن كما قيل ولا في البدن بأسره ولا فيه وفيما يلوذ به من الهواء المحيط وغيره مما يجاور الانسان مما يسكنه ويتردد فيه وبلغ الكلام في ذلك هناك غايته من الافهام والبيان .
ونقول أيضا ان هذه الصور المحفوظة الملحوظة عند النفس الانسانية قد صح انها ليست بمحوية في البدن الانساني أو ما يقاربه من الأجسام وانما هي عند النفس التي
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 89
مساهمون: ابو البركات
ص٨٩