تنبهت بالأول عليه فجعلوا الابتداء بعلوم جزئية تسلموا مباديها وارتقوا منها إلى العلم الاعلى فحققوا بذلك علم المبادى والعالم الفاضل يبتدئ كذلك من جزئي يستأنس به ويرتقى إلى كلى يعرف منه مبدأ ما ابتدأ به وكذلك إلى العلم الاعلى فإذا انتهى اليه عاد في علمه وتعليمه مبتدئا من حيث انتهى وراجعا في العلم الحقيقي التحصيلي إلى حيث ابتدأ فابتدأ في علمه الحقيقي التحصيلي بما انتهى اليه من التعليم الرياضى التنبيهى وانتهى منه إلى ما ابتدأ به من ذلك .
الفصل الثاني في العلم الإلهي والإلهيات
يظهر في المتداول من كلام القدماء ان المراد بلفظة الاله هو معنى إضافي بالقياس إلى من هو إله له وهو الذي تقتديه نفس الشئ الذي هو له إله في فعلها وتحرك الجسد الذي هي فيه على شاكلة ارادته بحسب مشيئة وتحريكه فكان المتعلم يسمى معلمه والذي يقتدى به إلها وربا ويظهر منه أيضا ان الا له هو الفاعل الذي لا يرى وله على البشر سلطان وقدرة وليس لهم عليه ، فالنفوس على مذاهبهم فعالة لا ترى ولها سلطان على البشر لكن لهم عليها أيضا سلطان فان النفوس البشرية يؤذى بعضها بعضا ويتسلط بعضها على بعض فكانوا يشيرون بذلك إلى الملائكة الروحانية وقد سبق لذلك ذكر في كتاب النفس وتستوفى هاهنا فيه النظر ، فعلم الإلهيات هو العلم الذي تعرف به صفات الاله مطلقا ثم صفات إله الآلهة ورب الأرباب الفاعل غير المنفعل الذي هو المبدأ الأول لكل وجود وموجود من ذات وفعل كما سيظهره النظر الحكمي في هذا الفن فإنه يبتدئ وينظر حيث ينتهى إلى معرفة الاله ويعرفه في الاله مطلقا ثم في الاله للوجود ثم في الاله الأول من حيث يقيس وينظر في المعنى الإضافي الذي به الاله إله وهو أخص من الذي به المبدأ مبدأ والعلة علة والفاعل فاعل فالإله مبدأ وعلة وليس كل مبدأ وعلة إلها والاله فاعل وغاية وليس كل فاعل وغاية إلها فالنظر في المبدأ والعلة يتقدم في مذهب النظر على النظر في الاله وكذلك في الفاعل والغاية والموجود أولى