تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
ما لا يشعر بفعله ولا يقصده ولا يريده كالثلج في التبريد ولا يجوز ان يكون فعل المبدأ الأول لما يفعله كذلك لما نراه من افعاله في عالمه وموجوداته التي صدرت عنه من الذوات والافعال والحركات والغايات والنظام الحافظ لبعضها ببعض والمعين بعضها ببعض والمسبب بعضها لبعض وكما أوضحنا في الطبيعيات فكيف يقصد النظام والاحكام في فعله من لا شعور له بما يقصده « 1 » وكيف يوجد الامر المحكم والنظام التام عن فاعل لا يشعر بما يفعله بذاته وقصده أو بأمر آمر وتسخير مسخر عالم بما يسوق اليه من الغايات والنهايات ويحصله من الاغراض بالتعاون والنظام الحاصل بين المخلوقات في افعالها فقد كان قيل في الطبيعيات في ذلك ما لا يحتاج إلى اعادته هاهنا وان الفاعل بالطبع انما يصدر عنه الامر المحكم بالتسخير والالهام والتصريف والاستعمال كالقلم في يد الكاتب فإنه يكتب الخط الحسن على نظامه المقصود لحكمة وعلم وهو لا يعلم وانما يعلم الذي يصرفه ويسخره في فعله بحكمته كما يفعل الطباخ بالنار والقصار بالشمس وغير ذلك فالمبدأ الأول عالم بما يفعل والعالم بما يفعل إذا كان غير مقسور ولا فعله بالعرض يرضى بما يفعل فهو فاعل مريد راض بفعله وفعله لغاية لا محالة لان العالم المريد الحكيم لا يفعل عبثا ولغير غاية . فقد أوضح في الطبيعيات ان العبث لغاية أيضا فكيف ما ليس بعبث مما فيه من الحكمة ما هو ظاهر لكل معتبر ، فإذا كان اللّه تعالى يفعل ما يفعله لغاية والغاية لا تخلو من أن تكون هو أو غيره اما هو فكالطبيب يتداوى ليصح وكالسخى الكريم يجود ليتلذ واما غيره فكالطبيب يداوى ليشفى المريض وكالسخى يجود ليغنى الفقير ولا يجوز أن تكون غايته غيره لان ذلك الغير لا يخلو من أن يكون من مخلوقاته ومعلولاته أولا يكون فإن كان من مخلوقاته فالغاية في خلقه تسبق وجوده وتتقدم عند خالقه فليس هو الغاية الأولى المقصودة في فعل اللّه تعالى فقبله غاية أخرى والكلام فيها ذلك وان لم يكن من مخلوقاته ومعلولاته فهو مبدأ أول أيضا واجب الوجود بذاته وصح انه « 2 » واحد أحد فرد صمد لا ضد له ولا ند ولا شريك في بداية الخلق والجود والايجاد فبقى ان يكون هو الغاية القصوى كما كان هو الفاعل
هامش
( 1 ) كو - بما يفعله
( 2 ) كو - ان المبدأ الأول .
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 67 | ابو البركات