بأنه لا يزال موجودا وإذا لم يكن كان معدوما فالذي يستبدل الوجود بالعدم والعدم بالوجود لا يتصور ان الوجود من لوازم ذاته والا لما فارقه إلى العدم ولا العدم أيضا من لوازم ذاته والا لما فارقه إلى الوجود وان كان العدم ليس مما يتصور ملازمته ومفارقته وانما تكون الملازمة والمفارقة من الوجود للموجود في الوجود لا من العدم ولا للعدم ولا في العدم ولا للمعدوم فالموجود بعد العدم وجوده عن غيره وذلك الغير هو العلة الموجبة فلكل محدث محدث اعني لكل موجود بعد عدم علة سابقة لا محالة . والأذهان تسلم هذا ولذلك ترى الناس يطلبون الأشياء بأسبابها مثل الغنى بالمال والعز بالرجال لعلمهم بان كل ما يطلب وجوده بعد عدمه ونيله بعد تعذره انما يطلب من جهة سببه فان النيل من جملة الحوادث فيكدح الناس في طلب الأسباب الموجبة لوجود ما يراد وجوده ونيله فاما فيما لا يعرف حدوثه من قدمه أو يعرف انه قديم غير حادث فلا .
اما في القديم غير الحادث فقد قال كثير من القائلين برفع المعلولية عنه كيف كان وأطلقوا القول بكون القديم لا علة له من حيث إنهم عرفوا المعلولية بالحدث وليس كل معروف بشيء يكون ذلك الشيء لازما له حتى لا يكون الا به ومعه فإنه قد يعرف ان هذا الشخص حيوان من جهة كونه انسانا وليس كل حيوان انسانا فكذلك يعرف ان كل محدث معلول وليس كل معلول محدثا حتى يلزم عكس نقيضه وهو أن ما ليس بمعلول فليس بمحدث وما ليس بمحدث فليس بمعلول فكان هذا أيضا من مسائل القدم والحدوث اعني القول بان القديم لا علة له ولا يجوز ان يكون معلولا ، فتتبعت الانظار هذه المسألة بعد ذلك بما سبق القول به من جهة الزمان وان المعلول قد يجوز أن يكون قديما لقدم علته وكون الزمان لا يلزم توسطه بينه وبينها من حيث هي علة على ما قيل فإذا كان في الوجود علة قديمة جاز أن تكون لها معلولات قديمة معها ولا يرفع القدم معلوليتها وعلية علتها وقد انتهى القول في جميع ذلك من جهة النظر الكلى العقلي - فأما من جهة النظر في موجودات
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 55
مساهمون: ابو البركات
ص٥٥