تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
امسك ، وهذا معناه وأيضا فان العالم في النظر الحكمي انما يتشاغل بمعرفة العلة الهيولانية والصورية فيما له هيولى وصورة ويطلب الفاعل والغاية في كل معلوم معلول فإذا انتهى إلى العلة الأولى والغاية القصوى انتهى نظره ذلك وطلبه على هذا الوجه لأنه لم تبق له علة فيطلبها بنظره كما طلبها إلى حيث انتهى به فيمسك اى يكف عن ذلك الطلب وأيضا فان العالم الذي ينتهى إلى هذا الحد من العلم يستأنس بنفسه وبما عرف وبمن عرف فيكف عن مفاوضة من هو بعيد عن درجته ومقصر عن حده في علمه ومعرفته وتصير كلفته في مفاوضته له مثل كلفة الرجل الفطن في مفاوضة الصبى الأبله في أشياء يبعد عن معرفتها فهذا هو العلم الحكمي وأسلوبه ومذهبه ومبدؤه ونهايته وماهيته ولميته وغرض المتشاغل به والطالب له . وان كان له غرض آخر يتبع هذا ويلزمه بالعرض عند المطبوعين على طلب العلوم والحكم يليق ان يورد في فصول الحكمة العملية .

الفصل الثالث عشر كلام في النفس الانسانية يليق بهذا العلم

وقد سلف عند الكلام في النفس الانسانية وافعالها وأحوالها القول بان هذه النفس تتميز عن غيرها من النفوس الحيوانية والنباتية بالمعارف والعلوم العقلية النظرية والاستدلال بعلم العلم ومعرفة المعرفة والاستدلال بشيء منها على شيء بالظاهر على الخفي وبالقريب على البعيد وبالسابق على اللاحق وبالمتبوع على التابع وبالملزوم على اللازم فإنها بهذه الصفات والأحوال مستقلة بذاتها في هذه الأفعال مستغنية عن الآلات البدنية المخصصة المبينة للادراكات الجزئية الحسية ولذلك لا تموت بموت البدن ولا تتعطل عن خواص افعالها عند الانفصال عنه بالموت كما قد لا تتعطل منها عند النوم بل حالها بعد الموت مضادة لحالها عند النوم فان النوم يستغرق وسعها أو أكثره في الافعال الطبيعية البدنية والموت يفرغها منه بالكلية فنومها موتها وموتها حياتها بالقياس إلى الافعال الإرادية والعقلية وسلف القول أيضا في اختلاف جواهر النفوس وغرائزها بالطبع قبل