بين العلماء بجهله أكثر من تأذيه بهم إذا لم يخالطهم فكيف بنفس تفارق بصيرة الحواس وادراك المحسوسات إلى عالم الربوبية والملائكة والاشخاص الروحانية وما استبدلت بالبصر الحسى بصيرة عقلية ولا ملكة علمية فتشبه الغريب إذا دخل بلدا لا يعرف لسان أهله ولا يأنس بعرفهم ولا بعاداتهم ولا يقف على ملتهم وأديانهم فيكون مع قربه منهم بعيدا عنهم ومع أنسه بهم مستوحشا منهم وإذا كانت النفس تفارق البدن إلى عالم القدس واللاهوت فلا شك ان سعادتها وخيرها وخيرتها فيما قربها من أهله وآنسها بهم وحببها إليهم وذلك انما يكون بحسن العادات والملكات المتخلصة عن البهيمية إلى الملكية وعن الجسمانية الحسية إلى الروحانية العقلية وكلما كان نصيبها من ذينك اصلح وأوفر كان خيرها وسعادتها به في الأخرى أفضل وأكثر فان النسيب حبيب والمباين بغيض كما قيل .
واما العلوم فقد عرفت انها تنقسم إلى ثلاثة أصناف علم الموجودات وعلم المعلومات وعلم العلم ، فعلم الموجودات قيل فيه في الطبيعيات والإلهيات ، وعلم المعلومات قيل فيه في علم النفس ، وعلم العلم قيل فيه في الفن المنطقي انه هو الملكة الأولى والغريزة التي بها الكسب ، ونقول هاهنا انه هو الفضيلة القصوى والملكة التي عليها المعول فان الذي يحصل علم العلم يحصل له به القدرة على العلم والقدرة على الشئ أكبر في الفضيلة من الشئ فان الفعل عن القدرة كالمعلول عن العلة والعلة أفضل من المعلول فيما هي فيه علة له ولذلك قلنا في المبدأ الأول تعالى انه ما شرف بعلمه بل علم لشرفه أي كان علمه من شرفه لا شرفه من علمه وكذلك قلنا إنه قدر فخلق وجاد فاوجد فقدرته أفضل من خلقه لكون خلقه من قدرته وجوده أفضل من ايجاده لكون ايجاده من جوده كذلك نقول هاهنا ان الذي له علم العلم فله ملكة العلم ففيه القدرة على العلم التي بها علم ويعلم وهي اشرف من كلما يعلم من المعلومات الوجودية التي هي دونه في مرتبة الشرف مثل أنواع الجمادات والحيوانات الأخرى ويشرف بمعرفة الموجودات
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 214
مساهمون: ابو البركات
ص٢١٤