وقد عرفت في الطبيعيات ان الهيولى الأولى بما ذا تفارق الخلاء وان ذلك الفرق انما هو من جهة الممانعة الكثيرة والقليلة واللاممانعة فان الخلاء لعدم الممانعة هو كلا شئ وتلك بالقوة والممانعة أشياء وليس الخلاء الا عدما محضا والذي قال إن العدم والمعدوم لا يتقدر والخلاء يتقدر ، يقال له ما قيل من أن التقدير والمقدار ليس شيئا في ذات المقدور بل هو اعتبار ذهني والذهن يعتبر الملأ المحيط بالخلاء بالذات فيعتبر الخلاء الذي في الملأ بالعرض ولو تصور الانسان رفع السماوات والأرض وعدمهما لتصور بذهنه بقاء الخلاء الخالي الذي يمكن إعادة ما كان فيه من الأجسام المخلوقة اليه .
ولا يقال هذه افعال الوهم وتصوراته التي يردها العقل ، فجوابه عن ذلك ان يقال له ان العقل لم يرد هذا وانما كان الاعتماد على حجج بطلت أو على قول بغير حجة فإذا لم يرد العقل فالعاقل القائل القابل ومن يرده بغير حجة فقد خالف العقل ولا يسمى ذلك الوهم وهما كاذبا حتى يقوى عليه الدليل العقلي قوة تبطله ويثبت فاما إذا بطل الدليل فلا يسمى وهما ولم يزد العاقل على فطرته وأوائل تصوراته انما جاء ذلك وأمثاله من مناظرات الجدليين وضرورات المكابرين الذين يطلبون لكل قول قولا يردونه به لا على من يعقل ما يقوله ويناجى به نفسه بمثل ما يحدث به خصمه ممن يطلب الحق لعينه في العلوم ، فقد اتى الكلام في هذه الفصول على الحقائق والدقائق في معنى الهيولى والصورة وهما مبدءان من مبدأ العلم الطبيعي .
الفصل الثاني عشر في اتساق العلم بالموجودات من العلة الأولى وإلى الهيولى الأولى
قد تحصل من النظر والاعتبار إلى حيث انتهينا اليه في سابق الكلام ان الهيولى الأولى هي جسم الأول الذي يعتبر بجسميته التي بها يتميز في المعقول عما يحله من الصور والصور هي التي تفصل بعض الأجسام عن بعض وتميزها وتحيزها في حركاتها وسكونها واتصالها وانفصالها واجتماعها وافتراقها واشتركت الصور