تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
إلى هذا التكليف . فقالوا في الجواب ان اللّه تعالى فعل ذلك لعنايته فان عطية الاستحقاق في مذهب العقل أتم وأفضل من عطية التفضل عند المعطى فلذلك عرض تعالى عبيده لها حيث امرهم بالأوامر قبلها الطائعون وعملوا بها واتعبوا نفوسهم فيها بقهر الشهوات واحتمال الشقاء فاستحقوا بذلك نعيما يثابون عليها به فقيل لهم وخالف العصاة عليها فاستحقوا عقابا ولو لم يؤمروا لما خالفوا فكما جلب الامر والنهى سعادة لبعض جلب شقاوة وعذابا للبعض الآخر ولو كان التفضل المحض بغير تكليف لعم الاحسان وتخلص العاصي من الشقاوة ولم يفت الطائع شئ مما أنعم به عليه في جواب طاعته ، فقالوا لان عقوبة العاصي إذا رآها الطائع ازدادت لذته بثوابه ونعمته في سعادته فالتذ مع لذته بالسعادة بكونه مستحقا لها بعمله وتكون له بما يرى فيه العصاة من العذاب لذة أخرى بحيث يرى ما تخلص منه من البلاء وما صاروا اليه من نعماء فكانت شقاوة العصاة لسعادة الطائعين أيضا . فقال لهم القائلون بعموم القضاء والقدر لسائر الأشياء بسابق علم اللّه تعالى . ان اللّه علم ما خلق من الذوات وما يصدر عنها من الافعال بحسب ما خلق فيها من القوى وأعطاها من القدرة والاستعداد للفعل والانفعال بحسب الدواعي والصوارف فعلم بحسب ذلك ما يكون منها في كل زمان ومكان وبحسب كل داع وصارف فتقدرت بذلك الافعال والأحوال تقديرا بحسب الأسباب القريبة والبعيدة لا يمكن الزيادة عليه ولا النقصان منه وأحاط بجميع ذلك علما فكان كما علم وعلم كما كان فلم يخرج القضاء عن علمه ولم يتعد القدر محدوده وامضى ما علمه وما قضاه بمشيئته ورضاه وجاءت الاقدار بحسب الأقضية في تفصيل الجمل وتوزيع الأسباب ولم يبق ممن في الوجود مما يمكن ان يكون وان لا يكون بل يكون ما يكون ولا يكون ما لا يكون على ما سبق في العلم الأول الذي هو علم الأول فكل شئ بحسب الوجود واجب ان يكون أو واجب ان لا يكون اما دائما أو في وقت ما والواجب بحسب وقته ضروري الكون وفي غير وقته ممتنع الكون وفي التقدير الذهني