تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
في العدل على ما يزعمون في الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية لقد كان من العدل التسوية بين المأمورين في الأسباب المعينة والمانعة كما كانت التسوية في الأوامر والنواهي فكيف يستوى في ذلك من خلق عاقلا لبيبا كيسا فطنا ومن خلق جاهلا غمرا فظا غليظا غبيا ولكل واحد منهما من الدواعي والصوارف ما ليس للآخر فليس العدل فيما تقولون ولا الجور فيما تنكرون فان الحكم بالعدل والجور في ذلك يفسد عليكم بما قلناه من الدواعي والصوارف الباعثة والمانعة من الجبلة والخلق والأسباب الخارجية التي لا يمكن انكارها فيسقط القول بالعدل والجور ويرجع إلى حكم المشيئة والإرادة الإلهية في القضاء والقدر . وقالوا في الاستحقاق إذا أثاب اللّه تعالى عبده الطائع لاستحقاقه بطاعته شريعته فشريعته هي التي عرضته لهذه النعمة فباي استحقاق خصه بها ورزقه تعلمها وانزلها عليه على يد من نقلها اليه وعلمه إياها واعانه بمزاجه المعتدل ونفسه الخيرة ومربيه الشفيق الحكيم ومعلمه العالم ومؤدبه الأديب وهذه كلها نعم مبتدأة قد صارت أسبابا لنعمة الاستحقاق وهي من التفضل لا من الاستحقاق وما سببه تفضل فهو تفضل أيضا فأين الاستحقاق من الذي اسلف اللّه طاعته قبل احسانه اليه حتى يكون الاحسان اليه باستحقاقه وكذلك في المعصية وان كان العدل في عقوبة العاصي حيث يخالف الشريعة فعوقب بذنبه فأين العدل في انزالها على من سبق في علم المنزل لها انه لا يقبلها حيث لم يخلق له ما يعينه على قبولها كما خلق لمن قبلها . وقالوا أيضا ان هذا الاستحقاق ينبغي ان يكون الثواب فيه مساويا لقدر الطاعة والعقاب لقدر المعصية واين طاعة الانسان في عمره القصير المدة من نعمة الخلود في جنان النعيم ومعصيته من قدر بلائه وعذابه في جهنم والجحيم وهل زيادة النعمة على قدر الطاعة مما يبقى لقدر الاستحقاق بحسبها ما يعتد به فأين العدل والاستحقاق فيما قيل . فترجح بحسب هذا النظر حجج القائلين بعموم القضاء والقدر على حجج القائلين بخصوصه الذين اخرجوا الأوامر الشرعية من جملته ويقولون لهم أيضا
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 186 | ابو البركات