تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
بقياس زماننا ومعرفتنا وفيه حق لا محالة من هذا القبيل يعرفه من يعرفه ويشتبه على من لا يعرفه بما ليس منه فاعرفه أنت على طريق الجملة هكذا . فاما من يعتقد فيه تعالى انه يرى بالعين التي هي هذه الجارحة فقد أخطأ وبعد عما أوضحناه جدا فان العين حجاب بقياسه يستعان بتركها على ابصاره لا بها بل هو على ما قيل اظهر في وجوده واخفى من أن يدرك بها فإنها آلة للنفس في ادراك ما دونها لا في ادراك ما فوقها والادراك لما فوقها أولى بذاتها منه بآلاتها وانما نستعين على رؤيته بما هو أعلى وأقرب اليه منها لا بما هو ابعد وأدنى . فقد صح ان ذات المبدأ الأول ان استعير لها اسم من جهة المعرفة بها فنور الأنوار لائق بتسميتها وقد يعرف الانسان ما لا يدركه بما يدركه حيث تحصل له المعرفة به من المشابهات الموجودة فيما يعرفه والمخالفات التي يتميز بها فيقال ان العنقاء لها جناح مثل ما للنسر وانتصاب قامة كالانسان ومخلب كالمفترس واثداء في الصدور كالمرأة وريش كالطائر ومنسر كالجارح وليست بادية البشرة ولا ناطقة كالانسان ولا عديمة الاثداء كالطائر ولا ذات اربع كالحيوان الذي هو كذلك . فاجتمعت معرفتها من صفات هي مشابهات ومباينات في ايجابات وسلوب فيعرفها بذلك من لم يرها ولا رأى نظيرا لها في نوعها فيعرف الشئ بجنسه كما عرفت العنقاء بأنها حيوان وبفصله النوعي كما عرفت بأنها طائر ثم بالمشابهات والمباينات من الاعراض والخواص واللّه تعالى لا شريك له في جنس فيعرف بجنسه ولا في فصل منوع ولا في نوع فإنه واحد الذات لا يتجنس ولا يتنوع وإذ ليس له مشاركة ذاتية في الماهية لموجود آخر فليس له فصل ذاتي يتميزه عن الآخر . واما الاعراض والخواص فليس له شبيه ولا مماثل في شئ منها فيعرف به فبقى ان يعرفه العارف اما بمعرفة عرضية مركبة من افعاله ونسبته إليها كما يقال مبدأ أول وعلة العلل . واما بسلوب صفات هي موجودة لغيره كما يقال إنه لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يموت ولا يعدم ولا هو ابيض ولا اسود ونحو ذلك من صفات المخلوقات التي يجل عنها وتنتفى عنه بالدليل النظري . واما معرفة