بحسب العرف والمعرفة الا انا نعلم أن النار الصرفة لا يظهر لها هذا النور حتى تختلط بها الاجزاء الدخانية المتحللة من الأجسام الأرضية وحينئذ اما ان تختلط بها اختلاطا تكون فيه الاجزاء الأرضية أغلب وأكثر فيصير المرئى دخانا لا لهبة معه ولا نور أو تكون النار صرفة كما تكون في فضاء التنور البالغ في الحرارة وفيه جمر من غير لهبه الذي يشعل ما يدخل اليه من غير أن يلقى ما فيه من جمر ويكون شفافا لا لهبة فيه ولا نور فالنور الظاهر في هذا المخلوط كما قيل في الطبيعيات ليس من الاجزاء الأرضية الكثيفة المظلمة بل من النار اللطيفة الشفافة يظهر على سطوح الأجسام الكثيفة كما يظهر نور الشمس على جرمها الكثيف الذي لا ينفذ البصر فيه وعلى الأرض وما فيها من جبل وجدار وعلى جرم القمر الكثيف ولا يظهر فيما بينها وبين هذه المستنيرة منها من الفضاء والهواء للطافته ولا شك انه في الواسطة والذي في البين وهو الفضاء الذي بين الأرض والسماء قبله على الأرض لأنه هو الأقرب والمتأدى من جسم إلى جسم كالحرارة والبرودة وغيرهما يتأدى إلى الأقرب قبل تأديه إلى الابعد فان ضوء المصباح الضعيف يضيء ما قرب منه مع ضعفه حتى كلما قوى أنار الابعد فالأبعد فنور الشمس في الفضاء الذي بين الأرض والسماء مثله على الأرض أو أكثر منه لكنا لا نراه وذكرنا العلة في كوننا لا نراه وهي ان النور البصري منا لا يرى شيئا بالذات حتى يكون مستنيرا ومع استنارته كثيفا لا ينفذ البصر فيه فهذا النور موجود في النار لكنا لا نراه لما قلنا فمن عنى باسم النور ما نراه لما قلنا ونرى به فالنور ذلك الظاهر ومن عنى به ما هو أحق منه بالمعنى لكونه العلة الموجبة فالذي في النار أولى فالنور يصح ان يقال باشتراك الاسم على النور الذي نراه ونرى به وعلى علته ومبدئه الذي عنه يصدر وهو محض حقيقته فنفوسنا ترى الأشياء وتريها وتظهرها وتبديها فهي نور أيضا وعلتها وسببها الذي عنه صدر وجودها أحق بذلك منها ونسبته إليها كنسبة نور الشمس إلى نور القمر ونور الشمس ليس هو علة أولى بل هو معلول وعلته لو كانت قريبة لأبصارنا لظهرت لنا أكثر من
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 125
مساهمون: ابو البركات
ص١٢٥