له كما تقول ان كل متعفن الاخلاط محموم بالضرورة اى ما دام متعفن الاخلاط وليس هذا الحكم بلازم له قبل ذلك اعني قبل تعفن اخلاطه ولا بعده واما في وقت من أوقات كونه له لا محالة كما تقول ان المتنفس مستنشق بالضرورة وليس ذلك ما دام متنفسا بل في بعض زمان تنفسه واما في وقت كونه له وقبله وبعده كما تقول كل متحرك جسم فان المتحرك موصوف بذلك ما دام متحركا وقبل ذلك وبعده وقد يكون ذلك بعد اتصافه به أو قبل اتصافه به كما يقال كل كائن فاسد وكل فاسد كائن فليتأمل ليعلم اى هذه يقال مجازا وأيها يقال حقيقة ويدل عليه نص اللغة فقد قيل إن كل ذلك حقيقة ومنصوص عليه في اللغة .
فنقول ان الذي يدل عليه نص اللفظ من ذلك انما هو عند كون الموضوع موصوفا بعنوانه وما وضع بحسبه لا قبله ولا بعده سواء كان ما دام موصوفا بعنوانه وما وضع معه أو في بعض أوقاته فان معناه انه له بشرط كونه كذا وليس في ضمنه انه ما دام كذا اى موصوفا بعنوانه هو كذا اى موصوف بمحموله بل إنه انما هو موصوف بمحموله إذ هو موصوف بعنوانه وما عدا ذلك مجاز واتفاق في نفس الأمور وغير مقصود في اللغة فان القائل ان كل متحرك جسم ليس المفهوم بالذات من كلامه انه جسم سواء تحرك أو لم يتحرك وانما علم ذلك إذ علم ولزم إذ لزم من نفس الأمور لا من دلالة اللفظ واما قبل وبعد فهو مجاز فإنه لا يقال كل فاسد كائن الا بمعنى فقد كان كائنا وهو تسمح في اللغة واتكال على فهم الانسان بعلمه الذي ليس في دلالة اللفظ وكذلك كل كائن فاسد اى سيكون فاسدا أو سيفسد وهذه المجازات والاتفاقات اتفقت في الايجاب ولم تتفق نظائرها في السلب أو اتفقت أقل من ذلك وفي لغة دون لغة وعادة دون أخرى فإنه لا يقال في السلب انه لا واحد من الناس يتنفس لان لكل واحد منهم وقتا لا يتنفس فيه وان قيل لم يكن مصدقا ولا مقبولا بل ربما قيل كل انسان لا يتنفس ولا يقبل ولا يصدق حتى يكون المفهوم منه قد لا يتنفس وقتا ما ويكون صورته صورة الايجاب المعدول وإذا قيل لا شيء من الأسود ابيض فإنما معناه ما دام اسود
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 88
مساهمون: ابو البركات
ص٨٨