تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
قبل ان يتكلم وللخطابة منافع في الأمور المدنية أكثر من منفعة الجدل والبرهان فإنها تؤثر في النفوس تأثيرا تنفعل وتفعل بحسبه وان لم يوقفها على الصدق أو المشهور في الكلام وهذا تأثير عام وذلك خاص فقد ينفعل ويتأثر بالخطابة ويفعل بحسبها من لا يدرك الكلام البرهاني ولا الجدلي ولذلك ترى النفوس العامية أشد قبولا لها وافهم لمقتضاها في كل فن وقد سبق صاحب الكتاب إليها لعموم نفعها والمعرفة بها فما زال في كل قبيلة وعلى كل مذهب قوم يجتذبون القلوب إلى ذلك المذهب بالمقاييس الاقناعية والالفاظ والهيئات الخطابية وان لم يكن فيهم من اشتغل بكيفية ذلك وعلى اى وجه هو كما كانوا يبرهنون ويجادلون ولا يتكلمون على البرهان والجدل كلاما بليغا وكذلك في الشعر كان يقوله من لا يعرف قانون ذوقه العروضي معرفة علمية بل ذوقية فطرية ولا قانونه المنطقي الذي هو التشبيه والتمثيل الذي لا يشغل معه بتصديق يقيني ولا ظن غالب ولا اقناع . والخطابة يستعان بها تارة في الدعوة إلى العقائد الإلهية وتارة في الدعوة إلى العقائد الطبيعية وتارة إلى العقائد الخلقية وذلك بحسب السامعين المدعوين وتارة في تمكين الانفعالات النفسانية في الأنفس مثل الاستعطاف والاستمالة والارضاء والاغضاب والتشجيع والتحذير وتارة في المخاصمات الواقعة في الحوادث الجزئية التي من شأن الانسان ان يتولى فعلها وأكثر جدواها وعلى الأكثر وفي الأكثر انما هو في ضد هذه وهي على اقسام ثلاثة الأمور الخصامية والأمور المشورية والأمور المشاجريه والخصامية غايتها مدح أو ذم وتكون بفضيلة أو نقيصة يخالف عليها مخالف فيخالف في خلافه والمشورية غايتها اذن وموافقة أو منع وانكار في نافع أو غير ضار ويكون زمانها مستقبلا لأنها انما تكون فيما ينبغي ان يفعل والمشاجرية غايتها شكاية واعتذار عن ظلم أو تعد من الأشياء الماضية أو المستمرة . ومدار الخطابة على ثلاثة أشياء القول والمقول فيه والسامعون ، والسامعون ثلاثة خصم وحاكم ونظار والتصديق اما واقع لا بصناعة مثل الشهود والصكوك والسجلات واما بصناعة وحيلة وتوقعه أمور ثلث أحدها كيفية سمت القائل