هامش
الفعل حدّا في اعتقاد ثان مع الاعتقاد الأوّل أنّ نقيضه غير ممكن التحقّق أصلا ، لا معه ولا في حيّزه لا محالة . وأمّا اللذان من جنبة العلم : فأن يكون ذانك الاعتقادان على سبيل الدوام مهما يكن لها المصدّق به غير مذهول عنه ؛ وأن يكون دوامها على سبيل الوجوب واستحالة الانقلاب إلى الزوال .
ثمّ يجب أن يكون حكم سالب النقيض حكم المصدّق به الأصل ، وحكم اعتقاده حكم اعتقاده ؛ وعلى هذا السبيل المراتب الشفعية في السلب إلى لا نهاية ؛ وحكم سالب سالب النقيض واعتقاده حكم النقيض واعتقاده وهكذا إلى لا نهاية في المراتب السلبية الوترية ؛ كما قال شريكنا السالف في كتاب التعليقات [ ص 22 ] : « اليقين هو أن تعلم أنّك قد علمته وتعلم أنّك تعلم أنّك علمته إلى ما لا نهاية ؛ والإدراك للذات هذه سبيله ، فإنّك تدرك ذاتك وتعلم أنّك أدركتها وتعلم أنّك تعلم أنّك أدركتها إلى ما لا نهاية . » المرتبة الثانية : العقل الفذّ المعبّر عنه بشبه اليقين ؛ وهو أن يكون تحقّق المعلوم مصدّقا به ، وكذلك عدم تحقّق نقيضه تحقّق لا يستقرّ ولكن لا على سبيل أن يعتقد وجوب المصدّق به في حيّز الذي هو واقع فيه البتّة وامتناع تحقّق نقيضه من بدو الأمر بدلا عنه ، ولا على سبيل أن يكون اعتقاد تحقّق ذلك المصدّق به في حيّزه واجب الدوام البتّة وإن كان هو دائما اتّفاقا من غير أن يكون المعلوم الضرورة بتّة . فإذن إنّما المعتبر في هذه بقاء تحقّق المصدّق به بحسب الاعتقاد وبقاء اعتقاد تحقّقه في حيّزه من غير أن يكون تحقّقه في الاعتقاد على سبيل الوجوب ولا أن يكون اعتقاد تحقّقه على سبيل الضرورة البتّة .
المرتبة الثالثة : الاعتقاد الراجح المعبّر عنه بالظنّ ؛ وهو أن يكون المصدّق به غير متعيّن التحقّق البتّة بحسب الاعتقاد بحيث لو كان نقيضه مشعورا به كان البتّة محكوما عليه بعدم التحقّق في حيّزه بدلا عنه من بدو الأمر ، بل يكون ذاك أيضا في بقعة الاحتمال وإن كان مرجوحا . فهناك كما ليس يعتبر وجوب تحقّق المصدّق به ووجوب دوام اعتقاده المعتبران في اليقين فكذلك ليس يعتبر تميّزه عن نقيضه في الحقّية وحقّية الفعلية ولا بقاء اعتقاده واقعا البتّة حين ما يشعر بنقيضه .
وهذا تحصيل قول شريكنا السابق في أوّل أولى برهان الشفاء ، حيث يقول : « إنّ التصديق على مراتب :
فمنه يقيني يعتقد معه اعتقاد ثان إمّا بالفعل أو بالقوّة القريبة من الفعل أنّ المصدّق به لا يمكن أن لا يكون على ما هو عليه إذا كان لا يمكن زوال هذا الاعتقاد فيه .
ومنه شبيه باليقين ؛ وهو إمّا الذي يعتقد فيه اعتقاد واحد ؛ والاعتقاد الثاني الذي ذكرناه غير معتقد معه بالفعل ولا بالقوّة القريبة [ الشفاء : + من الفعل ] بل هو بحيث لو عسى أن نبّه عليه بطل استحكام التصديق الأوّل أو إن كان معتقدا كان جائز الزوال إلّا أنّ اعتقاد الأوّل متقرّر لا يعتقد معه بالفعل لنقيضه إمكان .
ومنه اقناعي ظنّي دون ذلك ؛ وهو أن يعتقد الاعتقاد الأوّل ويكون هو اعتقاد ثان إمّا بالفعل أو بالقوّة القريبة من الفعل أنّ لنقيضه إمكانا ، وإن لم يعتقد هذا فلأنّ الذهن لا يتعرّض له وهو بالحقيقة مظنون . » انتهى كلامه . [ الشفاء ، الفنّ الخامس ( المنطق ) ج 3 ، الفصل الأوّل ، المقالة الأولى ، ص 51 . ]