تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح عيون الحكمة — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
الصورة ممكنا ، لكان ذلك الادراك عبارة عن نفس حضور تلك الآلة ، فيجب أن يقال : ان تلك الصورة متى كانت باقية ، أن يكون ادراكها باقيا ، وان كانت تلك الصورة غير باقية ، وثبت أنه يمتنع حضور صورة أخرى ، فحينئذ يلزم أن يكون كون تلك القوة المدركة مدركة لتلك الصورة : أمرا ممتنعا لذاته . فثبت بما ذكرنا : أن القوة العقلية لو كانت حالة في آلة ، للزم أن تكون واجبة الادراك لتلك الآلة دائما ، أو ممتنعة الادراك لها دائما . فأما أن ذلك باطل . فظاهر . فانا قد نعقل القلب والدماغ في بعض الأوقات دون البعض . وإذا ثبت أن هذا التالي ، باطل ، لزم القطع بأن القوة العقلية ليست حالة في شئ من الآلات . هذا تقرير هذا البرهان . ولقائل أن يقول : هذا بناء على أن الادراك عبارة عن مجرد حضور ماهية غير « 33 » ماهية أخرى . وذلك باطل لوجوه : الحجة الأولى : انه لو كان الأمر كذلك ، للزم كون الجمادات عالمة بالصفات القائمة بها . وذلك لا يقوله عاقل . فان قالوا : نحن لا نقول بأن مجرد حضور شئ عند شئ يكون ادراكا بل نقول : حضور المدرك عند المدرك هو الادراك . فنقول : أن كان الادراك عبارة عن نفس الحضور ، كان المدرك عبارة عن الشئ الذي حضر عند شئ آخر ، وحينئذ يعود الالزام المذكور . وان كان المدرك عبارة لا عن الشئ الذي حضر عنده شئ آخر ، فحينئذ يبطل قولنا : الادراك عبارة عن مجرد الحضور ، بل يكون الادراك عبارة عن حالة نسبية إضافية تحصل بين المدرك وبين المدرك . وعلى هذا التقدير فإنه يسقط هذا الدليل بالكلية . فإنه يقال : لم لا يجوز أن يقال : القوة المدركة حالة في قلب أو دماغ ، ثم إنه يحدث بينها وبين تلك الآلة الإضافية ( الحالة ) المسماة بالادراك والشعور ، فهناك يحدث الشعور والادراك . وان لم تحدث تلك الحالة الإضافية لم يحصل الشعور والادراك . فهنا تكون القوة العقلية قد تصير عالمة بتلك الآلة بعد أن لم تكن كذلك ، لا بسبب
هامش
( 33 ) قد تنطق عند أيضا .
شرح عيون الحكمة — صفحة 288 | فخر الدين الرازي