الحجة الأولى : انا إذا رأينا المرئيات بالقوة الباصرة ، وسمعنا المسموعات بالقوة السامعة ، وكذا القول في سائر المحسوسات ، ثم انا أحسسنا بكل هذه المحسوسات مرة أخرى بهذا الحس المشترك ، فحينئذ كنا قد أحسسنا بكل واحد من هذه المحسوسات مرة بالحس الظاهر ، ومرة أخرى بالحس المشترك . لكنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا : أنا رأينا « زيدا » فانا ما رأيناه في الحالة الواحدة الا مرة واحدة ، وان القول بهذا التعدد مما يأباه صريح العقل .
الحجة الثانية : ان هذه القوة الواحدة لو اجتمعت فيها هذه الادراكات . ثم قلنا :
ان هذه القوة موجودة في مقدم الدماغ ، لزمنا أن نقول : انا إذا لمسنا باليد ، وأدركنا حرارة ، فانا نجد ذلك اللمس حاصلا في مقدم الدماغ . وإذا ذقنا بالفم شيئا ، فانا نجد ذلك الذوق بمقدم الدماغ ، لكنا نعلم بالضرورة أنا نجد ذلك اللمس باليد ، لا بمقدم الدماغ ، ومدرك ذلك الذوق باللسان لا بمقدم الدماغ ، فكان قولهم على خلاف العقل .
الحجة الثالثة : الواحد لا يصدر عنه الا الواحد . فالقوة الواحدة لا يصدر عنها الا نوع واحد من الادراك . فالقوة الباصرة يمتنع أن يصدر عنها الا نوع واحد من الادراك - وهو الابصار - والقوة السامعة يمتنع أن يصدر عنها الا نوع واحد من الادراك - وهو السماع - وإذا عرفت هذا فنقول : انهم زعموا أن هذه القوة المسماة بالحس المشترك تقوى على ادراك جميع المحسوسات بجميع أنواع الادراكات . وذلك يبطل ما قالوه من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها الا أثر واحد .
ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الكتاب .
أما قوله « فمنها القوة التي تنبعث منها قوى الحواس الظاهرة ، وتجتمع بتأديها إليها وتسمى الحس المشترك » فاعلم : أن هذه العبارة كأنها مختلفة . وأظن أن العبارة الصحيحة أن يقال : فمنها القوة التي تنبعث منها قوى الحواس الظاهرة وتجتمع في تأديتها محسوساتها إليها
شرح عيون الحكمة — صفحة 245
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٤٥