والثاني : ان الجليدية لو كانت ملونة . فإن كان لون المرئى بخلاف لون الجليدية وجب أن يرى المرئى على لون ممتزج من لون الجليدية ومن لون الخاص له . ألا ترى انا إذا نظرنا إلى الخضرة الشديدة نظرا كثيرا ثم نظرنا بعد ذلك إلى الجسم الأبيض فانا نراه على لون ممتزج من البياض والخضرة . وما ذاك الا أن الجليدية إذا نظرت إلى الخضرة ، فإنها تكيفت بلون الخضرة . فلما نظرت إلى الأبيض امتزج هذان اللونان .
فكذا فيما ذكرناه .
فأما ان لم تكن الجليدية ملونة ، امتنع ارتسام أشباح الأشياء فيها ، كالهواء فإنه لما كان شفافا خاليا عن الألوان ، لا جرم امتنع ارتسام الأشباح فيها .
الحجة الرابعة : لو ارتسم الشبح في الجليدية ، لكأن موضع الارتسام منها موضعا معينا . ولو كان كذلك ، كان كل من نظر إلى الجليدية ، فإنه يرى ذلك الشبح في موضع عين ، ولامتنع أن يختلف موضع ذلك الشبح باختلافات مقامات الناظرين ، لكنها تختلف باختلاف مقامات الناظرين . فعلمنا : أنه ليس هناك صورة مرتسمة في الحقيقة .
فهذه كلمات الفريقين في هذا الباب .
وأما الحق الذي اخترناه ، فقد ذكرناه في كتاب « الملخص » فليرجع اليه . وهنا آخر الكلام في الحواس الظاهرة .
شرح عيون الحكمة — صفحة 242
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٤٢