الفلكية توجب الحركة المستقيمة بشرط حصول الفلك في الحيز الغريب والحركة المستديرة بشرط حصوله في الحيز الملائم له ؟ وأما قوله :
« لا كما يكون في حالة أخرى مبدأ سكون » فاعلم : أن المراد منه : أن الطبيعة الواحدة تكون مبدأ للحركة في حال . وهي كونه حاصلا في الحيز الغريب ، ومبدأ للسكون في حالة أخرى . وهي كونه حاصلا في الحيز الملائم . فهذا جائز . وزعم : أن هذا وان كان جائزا ، الا أنه يمتنع كون الطبيعة الواحدة مبدأ للحركة المستقيمة في حال ، ومبدأ للحركة المستديرة في حال أخرى . وأما قوله : « لأن السكون غاية الحركة المستقيمة » فاعلم : نه لم يشتغل بإقامة الدلالة على امتناع ذلك الاحتمال ، وانما اشتغل بالفرق بين الصورتين ، فقال : السكون غاية للحركة المستقيمة .
والدليل على أن الأمر كذلك : أن الحركة المستقيمة هرب عن مكان غير طبيعي ، وطلب لمكان طبيعي . فإذا انتهت حركته إلى الحصول في ذلك المكان الطبيعي ، استحال أن يتحرك عنه بالطبع ، والا لكان ذلك المكان غير طبيعي ، بل يكون مهروبا عنه غير ملائم ، مع أنا فرضناه مكانا طبيعيا مطلوبا بالذات ملائما . هذا خلف . فإذا ثبت أنه لا يتحرك عنه بالطبع وجب أن يسكن فيه . وإذا كان كذلك وجب أن يكون ذلك السكون غاية لتلك الحركة المستقيمة . وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع كون الطبيعة الواحدة موجبة لهذه الحركة ولهذا السكون بحسب شرطين مختلفين في وقتين مختلفين . أما الحركة المستديرة فليست هي غاية للحركة المستقيمة ولا هي عدم لها ، بل أمر رائد ، فيحتاج إلى مبدأ آخر .
فظهر : أن حاصل هذا الفرق يرجع إلى حرف واحد ، وهو أن السكون غاية للحركة المستقيمة ، فلا يمنع كون الطبيعة الواحدة موجبة فهذه الحركة ولهذا السكون . أما الحركة المستديرة فإنها ليست غاية للحركة المستقيمة ، فلا جرم يمتنع كون الطبيعة الواحدة موجبة لهما معا .
فظهر الفرق . الا أنا ذكرنا : أن هذا الفرق ضعيف . لأن الحركة المستقيمة في الأجسام غايتها السكون ، لا الحركة المستديرة . وأما الحركة المستقيمة في الأجسام الفلكية ، فغايتها الحركة المستديرة ، لا السكون . فثبت :
أنه لا فرق بين البابين .
شرح عيون الحكمة — صفحة 171
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧١