انصراف عن الجهة المقابلة لها . فههنا لما كانت هذه الكرة متحركة لذاتها إلى المشرق ، ومتحركة بتحريك الفلك الأعظم إلى المغرب ، كانت هذه الكرة أبدا متوجهة إلى الجهة ومنصرفة عنها . وذلك محال .
قالوا : هاهنا الطبيعة الواحدة لم تقتض التوجه إلى جانب والصرف عنه ، بل الطبيعة المخصوصة به ، فوجب التوجه إلى جانب ، والقسر المعاند يقتضى التوجه إلى جانب آخر . أما في مسألتنا هذه ، فإنه يلزم من كون الطبيعة الواحدة ( أن تكون ) مقتضية للتوجه ، والصرف عنه معا .
وذلك محال . فظهر الفرق .
قلنا : التوجه إلى جهة والانصراف عنها . اما أن يكون الاجتماع بينهما محالا ، أو لا يكون . فإن كان ذلك محالا ، امتنع حصوله . سواء ( كان ) حصولا بالطبع أو بالقسر أو إحداهما بالطبع والآخر بالقسر ، وحينئذ يبطل القول في حركة فلك الثوابت . وان كان ذلك غير محال في الجملة . وحينئذ نقول : فلم لا يجوز أن تكون الطبيعة الواحدة مقتضية للتوجه والصرف معا ؟
وذلك لأن هذه المقدمة الضعيفة انما صارت مقبولة ، لتبادر العقل والوهم إلى أن الاجتماع بين التوجه إلى جهة وبين الانصراف عنها محال . وإذا لم يكن ذلك محالا ، فحينئذ لا يظهر أن الطبيعة الواحدة يمتنع كونها موجبة للتوجه والصرف معا .
وخامسها : السبيكة المذابة . فإنها مستديرة الحركة مع أنها بالطبع متحركة بالاستقامة .
السؤال الثالث : لم لا يجوز أن يقال : الأجرام الفلكية وان كانت مستديرة الحركة الا أنها مع ذلك تكون قابلة للحركة المستقيمة ؟ ثم أن طبائعها المعينة توجب كونها متحركة بالاستقامة بشرط كونها حاصلة في الأحياز الخارجة عن أمكنتها الطبيعية ، وتوجب كونها متحركة بالاستدارة ، بشرط كونها حاصلة في أمكنتها الطبيعية ، ولا يمكن أن تكون الطبيعة الواحدة موجبة أمرين متنافيين في وقتين مختلفين بحسب شرطين مختلفين ، فما لم يبطل هذا الاحتمال لا يتم هذا الدليل . ثم المثال المشهور
شرح عيون الحكمة — صفحة 168
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٨