جهة يقتضى التوجه نحو الجهة المنتقل إليها . وأما الميل المستدير فإنه يقتضى عدم التوجه إلى تلك الجهة ، بل الانصراف إليها ، فهذان الميلان يوجبان أمرين متغايرين ، فوجب أن يكون الجمع بينهما محالا .
ولقائل أن يقول : السؤال عليه من وجوه ثلاثة :
الأول : انكم قلتم : شرط كون الجسم قابلا للحركة حصول ميل معاوق عن تلك الحركة ، بذلك الجسم ، فقد جعلتم حصول الشئ مشروطا بما يقتضى تعويقه والمنع منه . فكيف زعمتم في هذا المقام : أن الجمع بينهما محال ؟
ولمجيب أن يجيب عنه فيقول : هناك انما جوزنا الجمع بين المعاوقين ، لأن عند اجتماعهما ينكسر أثر كل واحد منهما بالأثر الآخر ، فيحصل أثر متوسط بين الأثرين - وهو الحركة البسيطة - وهذا انما يعقل في الأثر الذي يقبل الأشد والأضعف . فأما الميل المستقيم فإنه يوجب الحركة المستقيمة . والميل المستدير ، فإنه يوجب الحركة المستديرة . والاستقامة والاستدارة لا يقبلان الأشد والأضعف . فيمتنع أن يقال : ان عند اجتماعهما يحصل أثر متوسط بين الاستقامة والاستدارة . فظهر الفرق .
السؤال الثاني : لم قلتم : انه لا يجوز تركب الحركة الواحدة من الحركة المستقيمة والحركة المستديرة ؟ وأما قوله : ان اجتماعهما يقتضى اجتماع التوجه إلى الشئ والهرب عنه . وهو محال . قلنا : هذا ينتقض بأمور خمسة :
أحدها : بحركة العجل . فإنها مركبة من الحركة المستقيمة ، والحركة المستديرة .
وثانيها : الكرة التي تضرب بصولجان . فان حركتها تكون مركبة من الحركة المستقيمة والحركة المستديرة .
ثالثها : الكرة التي ترمى من شاهق الجبل ، فإنها تنزل وتكون في حال نزولها مستديرة .
ورابعها : كرة الثوابت . فإنها لذاتها متحركة من المغرب إلى المشرق . وبالقسر متحركة إلى المغرب . والتوجه إلى احدى الجهتين ،
شرح عيون الحكمة — صفحة 167
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٧