ورابعها : ان عندكم ماهية اللّه - تعالى - عين وجوده . ثم زعمتم :
أن الوجود طبيعة واحدة من حيث إنه موجود ، ثم إنه لم يلزم ( منه ) أن يصح على ذات الباري - تعالى - ما يصح على الموجودات العارضة لماهيات الممكنات . فكذا هاهنا .
فان قلتم : أن الصحة حصلت في الكل ، الا أن الامتناع انما ثبت بسبب أمر خارج . نقول : فجوزوا مثله في هذه المسألة . وتقريره :
انكم لما بينتم أن هذه الصحة حاصلة بالنظر إلى الجسمية ، فلعل هيولى تلك الجسمية مانعة من صحة الحركة ، كما أن الجسمية وان كانت قابلة للخرق والالتئام مطلقا ، الا أن خصوصية هيولى كل فلك ، مانعة منهما ، فكذا هاهنا .
وأما المقدمة الثالثة : وهي في بيان أنه لما كان قابلا للنقل المستدير ، وجب أن يحصل فيه مبدأ الحركة . فالبرهان عليها : عين ما ذكرناه في الجسم القابل للحركة المستقيمة ، فثبت بما ذكرناه : أن كل جسم لا يقبل الحركة المستقيمة ، فهو بسيط ، وثبت : أن كل بسيط فإنه قابل للحركة المستديرة ، وثبت : أن كل جسم لا يقبل الحركة المستديرة ، فإنه لا بد وأن يكون قد حصل فيه مبدأ حركة . فثبت : أن كل جسم لا يقبل الحركة المستقيمة ، فإنه لا بد وأن يحصل فيه مبدأ حركة .
* * * ولقائل أن يقول : ان الدليل الذي ذكرتم فإنه يقتضى أن يكون كل ذلك ، فإنه يكون قابلا للحركة من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق .
وأيضا : لأن النقط المفترضة في ذلك المدار متشابهة . وكل ما يصح على الشئ صح ( على ) مثله أيضا . فوجب أن يكون جرم الفلك قابلا لكل واحدة واحدة من هاتين الحركتين . وأيضا : يلزم أن يكون قابلا للحركة من الشمال إلى الجنوب ، ومن الجنوب إلى الشمال بعين هذا الدليل .
وأيضا : فالمدارات المختلفة التي يمكن أن يتوهم حصولها في الفلك غير متناهية ، فوجب أن تكون كلها ممكنة . وإذا كانت واحدة من هذه الحركات المختلفة الغير متناهية ممكنة ، وجب أن يحصل في جرم الفلك بحسب كل واحد منها ميل معاوق . وحينئذ يكون قد حصل في الفلك ميول متعاوقة
شرح عيون الحكمة — صفحة 164
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٤