لا يجوز أن يقال : تلك الأجسام ، وان كانت مختلفة الطبائع ، الا أن حقيقة كل واحد منها يقتضى لعينها ولذاتها أن تكون متصلة بالأخرى ؟
وعلى هذا التقدير ، فإنه لا يكون شكله هو الكرة . فلو اقتضت أن يكون هو متصلا بالآخر وملتصقا به ، لوجب أن لا يكون شكله هو الكرة ، وحينئذ يلزم أن تكون الطبيعة الواحدة مقتضية للنقيضين . وذلك محال .
فثبت بما ذكرنا : أن كل مركب ، فإنه يقبل الانحلال . وحينئذ يتم الدليل المذكور .
وأما المقدمة الثانية : وهي قولنا : ان كل جسم بسيط ، فإنه يقبل الحركة المستديرة فالدليل عليه : أن ذلك الجسم لا بد وأن يحيط به شئ .
وان لم يكن كذلك ، فلا بد وأن يكون هو محيطا بشيء . وإذا كان الأمر كذلك ، فلنفرض دائرة في هذا الجسم ، ولنفرض أن نقطة معينة في تلك الدائرة تسامت نقطة معينة في الأرض ، وكل ما يصح على تلك للنقطة ، أن تسامت النقطة المعينة من الأرض ، وجب أن يصح على سائر النقط المفترضة في تلك الدائرة ، أن تسامت تلك النقطة المعينة من الأرض . ضرورة أن كل ما صح على ( شئ صح على ) مثله . ومتى ثبت هذا الجواز ، ثبت كون ذلك الجسم قابلا للثقل المستدير .
* * * ولقائل أن يقول : هذا ينتقض بأمور :
أولها : أن الجزء المفترض في عمق ثخن الفلك ، مساوى في الماهية للجزء المفترض في سطحه ، ثم لم يلزم ( منه ) صحة قيام كل واحد منهما مقام الآخر في كونه في العمق وفي السطح . فكذا هاهنا .
وثانيها : ان مقعر كل فلك قد يكون مساويا لمحدبه في تمام الماهية ، والا لزم كون الفلك مركبا ، ثم لم يلزم من كون مقعره مماسا لجسم ، صحة أن يكون محدبة مماسا لذلك الجسم ، فكذا هاهنا .
وثالثها : ان الحيوانية الحاصلة في الفرس مساوية للحيوانية الحاصلة في الانسان . ثم إنه لم يلزم منه أن يصح على حيوانية الفرس ، ما يصح على حيوانية الانسان . فكذا هاهنا .
شرح عيون الحكمة — صفحة 163
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٣