تكون ذاته ، فبقى أن تكون غيره . فنفتقر في تقرير هذا الدليل إلى اثبات مقدمات :
فالمقدمة الأولى : ( هي ) ان الحركة لا بد لها مؤثر .
ونقول : الدليل عليه هو : ان الحركة لا يعقل كونها مستقلة بنفسها .
مستبدة بذاتها ، لأنها نعت من نعوت الجسم ، وصفة من صفاته . ولا يعقل حصولها الا كذلك وكل ما كان كذلك فهو مفتقر في تحققه إلى الغير ، وكل ما افتقر في تحققه إلى الغير ، فهو ممكن لذاته ، فلا بد له من مؤثر . ينتج :
أن الحركة لا بد لها من مؤثر .
والمقدمة الثانية : هي قولنا : يمتنع أن يكون الجسم متحركا لذاته .
وقد استدل « الشيخ » عليها هاهنا بأنه لو تحرك لأنه جسم ، لوجب أن يكون كل جسم متحركا . واعلم : أن هذا الاستدلال لا يتم الا بمزيد تقرير .
وهو أن يقال : الأجسام متساوية في الجسمية ، فلو كانت من حيث هي متساوية في الجسمية ، موجبة للحركة ، لكانت الأجسام بأسرها متساوية في الموجب ، ويلزم من استوائها في الموجب ، استواؤها في الأثر . وهو الحركة . فالكلام الذي ذكره « الشيخ » لا يتم الا بتقرير هذه المقدمات .
* * * ولقائل أن يقول : السؤال عليه من وجوه :
الأول : لم قلتم : أن الأجسام بأسرها متساوية في الجسمية ؟
وما الدليل على صحة هذه المقدمة ؟ وتقريره : أن المعقول من الجسم أن ماهيته تقبل الأبعاد الثلاثة . ولا يلزم من الاستواء في قابلية الأبعاد الثلاثة ، الاستواء في تمام الماهية ، لما ثبت أن الماهيات المختلفة لا يبعد اشتراكها في بعض اللوازم . وأما تلك الماهية التي عرضت لها هذه القابلية ، فهي غير مشعور بها من حيث هي هي . وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يعرف كونها متساوية في تمام الماهية ؟ فثبت : أن هذه المقدمة غير معلومة .
لا يقال : الدليل على استوائها في تمام الماهية : أنا نقسم الجسم
شرح عيون الحكمة — صفحة 154
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٤