ثم نقول : الحركة الدورية يمتنع أن تكون طبيعية . والدليل عليه :
أن ( في ) الحركة الدورية . كل نقطة يفارقها المتحرك ، فان هربه عنها عين طلبه لها ، وحركته عنها عين توجيهه إليها . فلو كانت هذه الحركة طبيعية ، لكان الهرب الطبيعي عن الشئ عين الطلب الطبيعي للشئ .
وذلك محال .
فثبت : أن الحركة الدورية يمتنع أن تكون طبيعية ، ويمتنع أيضا أن تكون قسرية . لأن القسرية على خلاف الطبيعية . وإذا امتنع كونها طبيعية ، امتنع كونها قسرية ، ولما بطل هذان القسمان ثبت كونها إرادية .
أن الحركات الدورية كلها إرادية .
ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : الجسم المستدير قد يكون قبل وصوله إلى تلك النقطة طالبا لها بالطبع ، ثم عند الوصول إليها يصير هاربا عنها بالطبع . وذلك لا يوجب التناقض ، لأنه انما يكون طالبا للوصول إلى تلك النقطة ، فترك الوصول إليها . وانما يصير هاربا عنها عند الوصول إليها . فالطلب والهرب لم يحصلا في زمان واحد ولا بحسب شرط واحد ، بل في زمانين بحسب شرطين مختلفين ، وذلك وذلك لا امتناع فيه ؟
والذي يدل على أنه غير ممتنع وجوه :
الأول : انه لا نزاع في أن الحركة المستقيمة قد تكون طبيعية ، ثم أن الحجر النازل بالطبع يكون قبل وصوله إلى حد معين في تلك المسافة يكون طالبا للوصول اليه . ثم عند وصوله اليه يصير هاربا عنه . فإذا عقل عنه ذلك في الحركة المستقيمة ، فلم لا يعقل مثله في الحركة المستديرة ؟
الثاني : ان الطبيعة توجب السكون بشرط الحصول في المكان الطبيعي ، وتوجب الحركة بشرط الحصول في المكان الغريب . فثبت :
أن كون الشئ الواحد موجبا لحالتين متضادتين بحسب شرطين مختلفين في زمانين متغايرين غير ممتنع .
الثالث : ان عندكم الحركات الدورية إرادية . فقبل وصول الجسم
شرح عيون الحكمة — صفحة 152
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٢