تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
أن يقال العين تنطبع فيها صورة تساوى صورة نصف كرة العالم في الشكل وان لم تكن مساوية لها في المقدار لأنا نقول اما الأول فباطل لان المحققين من الطبيعيين اتفقوا على أنه لا ينطبع في المرآة صورة المرئيات واحتجوا عليه بأمور منها انه إذا انطبعت صورة شيء في شيء فإذا لم يتحرك القابل ولا الفاعل استحال أن يتغير موضع تلك الصورة بتغير شيء لكن الانسان إذا رأى صورة الشجرة في موضع معين من الماء فإذا انتقل عن مكانه رأى صورة تلك الشجرة في موضع آخر من الماء فلما تغير موضع الصورة باختلاف مقامات الناظرين علمنا أنه ليس هناك صورة منطبعة في موضع معين ولكنها انه لو كان هناك صورة لكانت اما أن تكون منطبعة في ظاهر المرآة أو في عمقها والاوّل باطل لان الناظر يقطع انه ليست صورة المرئى في ظاهر المرآة بل يرى تلك الصورة كالعائرة فيها ثم إنها تقرب من الرائي عند قربه إليها وتبعد عند بعده عنها والثاني أيضا باطل لان عمق المرآة مظلم كيف لا ينطبع فيه شيء من الصور وبتقدير أن يصح ذلك فربما يرى المرئى على بعد خمسين ذراعا من سطح المرآة مع انا نعلم أنه ليس للمرآة هذا الغور ومنها ان المرآة على صغرها يستحيل أن ينطبع فيها المقدار العظيم فبهذه الوجوه أبطلوا القول بانطباع صور المرئيات في المرايا واما جوابهم الثاني فهو باطل لان المعين يجب ان لا يحس الا بمقدار نفسها أبدا وان لا يحس بالشيء العظيم أبدا لأنه إذا أبصر شيأ يساويه في المقدار فإذا أبصر شيأ آخر فاما أن يبقى في الحالة الثانية ابصاره للشيء الاوّل أو لا يبقى فان بقي فقد أبصر دفعة واحدة أعظم من نفسه مع أنه لا ينطبع فيه ما هو أعظم منه فإذا لا يتوقف الابصار على الانطباع وان لم يبق وجب أن لا يبصر الانسان قط في عمره شيأ عظيما لأنه دائما لا يبصر الا مقدار نقطة الناظر وأما جوابهم الثالث فهو باطل أيضا لان الجسم الصغير لا يقبل مثل شكل الجسم العظيم في المقدار وان كان يقبل مثله في الشكل فاذن ابصار الشكل العظيم من حيث إنه عظيم لا يكون بالانطباع فبطل القول بالانطباع الثاني ان الرطوبة الجليدية اما أن تكون ملونة أو لا تكون فلو كانت ملونة انطبعت الأشباح في ظواهرها ولم يتأد إلى ما ورائها لكنهم اتفقوا على أنه يجب تأدى الشبحين المنطبعين في ملتقى العصبتين والا لكنا أبصرنا الشيء الواحد شيئين لان المنطبع في كل واحد من الجليدتين شبح آخر وان لم تكن ملونة كانت شفافة والشفاف عندهم لا تنطبع فيه الصور فهذا هي الوجوه التي يمكن أن يتمسك بها مثبتوا لانطباع ونفاته والوجه الذي عليه تعويل المثبتين مبنى على انا ندرك ما لا وجود له في الخارج وهو مبنى على نفى المثل الأفلاطونية وما قامت الدلالة القاطعة على فسادها والوجوه التي عولت عليها النفاة فهي قاطعة غير مخيلة المطلوب الثاني في انه لو ثبت القول بالانطباع فالادراك هل هو نفس الانطباع أم لا اعلم أن تقدير صحة القول بالانطباع لا بد من البحث على الادراك هل هو نفس انطباع تلك الصورة أم لا وكلام الشيخ مضطرب جدا في هذه المسألة اما في هذا الموضع من هذا الكتاب فهو مشعر بالوجهين معا على ما نقرره عند الخوض في شرح المتن وأما في النهج السابع من هذا الكتاب بين أن تعين المعلوم لا يقتضى تعين الإضافة فقط بل يقتضى مع ذلك تعين الكيفية يدل على أنه ثبت حالة إضافية وراء ذلك والحق عندنا انه ليس الادراك عبارة عن نفس حصول تلك الصورة بل عن
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 133 | فخر الدين الرازي