تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
المرئى الموجودة في الخارج من غير أن تنطبع صورة المرئى في القوة الباصرة أو في محلها وكذا القول في السمع والذوق والشم واللمس أما الادراكات التي يمكن حصولها عند عدم مدركاتها في الخارج لا يقدح فيها هذا الاحتمال لان الإضافة إلى الشيء تستدعى وجود ذلك الشيء فإذا لم يكن ذلك الشيء موجودا في الخارج استحال أن يكون الادراك عبارة عن الإضافة اليه واعلم أن من الناس من أنكر توقف حصول الادراك والشعور على حصول ماهية المدرك في المدرك واحتج على ذلك بحجة عامة في الادراكات العقلية والحسية وبأدلة خاصة تخص كل واحد منها واحدا من تلك الادراكات اما الحجة العامة فهي أنه لا معنى لاتصاف الشيء بالشيء الا حصول الصفة للموصوف فإذا عقلنا الاستدارة والاستقامة والحرارة والبرودة لزم ان يصير العاقل لهذه الأمور حال تعقله لها مستقيما مستديرا حارا باردا وذلك باطل لا يقال هذا غير لازم لوجوه ثلاثة الأول انا لا نقول من عقل الاستدارة فإنه تحصل فيه الاستدارة نفسها بل نقول إنه يحصل فيه مثال الاستدارة وصورتها ومن عقل النار فإنه لا تحصل فيه حقيقة النار بل مثالها وصورها وشبحها الثاني ان النار ليست عبارة عن الشيء المحرق على الاطلاق بل عن الذي إذا وجد في الخارج كان محرقا وإذا كان كذلك فحقيقة النار وان حصلت في الذهن الا انها لا تكون محرقة لان شرط كونها محرقة كونها موجودة في الخارج ولكنها تكون باردة لأنه يصدق عليها حين ما تكون في الذهن انها ماهية لو وجدت في الخارج لكانت محرقة الثالث أنا لا نعنى بحصول مثال ماهية المعلوم الا كوننا عالمين به وذلك مما لا امتناع فيه لأنا نقول أما الأول فباطل لان الذي سميتموه بمثال الاستدارة وصورتها اما أن تكون حقيقته حقيقة الاستدارة أو لا تكون فإن كان الأول فمن عقلها فقد حصلت فيه هذه الحقيقة فيجب أن يكون العاقل للاستدارة مستديرا لأنه لا يفهم من المستدير الا ما حصلت الاستدارة فيه واما ان لم تكن حقيقته حقيقة الاستدارة لم يكن تعقل الاستدارة عبارة عن حصول الاستدارة في الشيء العاقل وهو المعلوم وأما الثاني فهو باطل اما أولا فلانا إذا عقلنا ان النار هي التي إذا وجدت في الخارج لزمها الاحتراق فلا بد لنا من تعقل الاحتراق لان علمنا بان شيأ يلزمه شيء آخر بشرط مخصوص متوقف على العلم بحقيقة اللازم والملزوم وإذا كنا قد عقلنا الاحتراق والتعقل عبارة عن حصول المعقول في العاقل فقد حصل في ذهننا الاحتراق فيكون الذهن محترقا لأنه لا معنى للمحترق الا ما فيه الاحتراق اللهم الا أن يقال انا لا نعقل حقيقة الاحتراق بل نعقل منه انه الامر الذي يلزمه اللازم الفلاني عند وجوده في الخارج لكن كلامنا في ذلك الخارج كلامنا في الأول وبالجملة فتعقل النار يستدعى اما تعقل حقيقتها أو تعقل لازم من لوازمها وعلى التقديرين فإنه يلزم المحال الثاني أن الوجود الذهني اما أن يكون مخالفا للوجود الخارجي في مفهوم كونه موجودا أو لا يكون والأول محال فان لفظة الموجود غير واقع على الموجودات بالاشتراك اللفظي باتفاق الحكماء وبالبراهين المذكورة في مواضعها والثاني يبطل عندهم لان الذهن اما أن يكون ممكن الاتصاف بالماهيات المعقولة أو لا يكون فإن كان ممكن الاتصاف بالماهيات المعقولة وهو أيضا ممكن الاتصاف بالوجود فاذن لا منافاة بين ذات العقل وبين ماهية المعقول وبين وجوده فإذا يجب أن توجد هذه المعقولات فيه وهذا محال اما أو لا فلانه يجب أن يوجد فيه اللون والشكل والمقدار فيكون ملونا مشكلا مقدار بالألوان والاشكال والمقادير المختلفة دفعة لأنه يمكنه أن تعقل هذه الأشياء المختلفة دفعة واحدة بدليل أنه يعقل أن السواد مضاد للبياض والعلم بإضافة الشيء إلى الشيء علم بنسبه شيء إلى شيء والعلم بنسبه شيء إلى شيء مشروط بالعلم لكل واحد من المضافين واما ثانيا فلانه يلزم أن لا يبقى تفاوت بين الانسان الموجود في الخارج والانسان الموجود في الذهن لأنهما متساويان في تمام الماهية وفي الوجود وهذا مكابرة والذي يقال من أن الانسان الذهني كلى فهو كلام جزا في لا حاصل له لان الموجود في النفس صورة جزئية موجودة في نفس جزئيته