تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
تلك الماهية ينفى عنها أو عن أمر زائد حصل هناك والاوّل قد بطل والثاني باطل لأنا نعلم بالضرورة انه ليس العلم أمرا عدميا وأيضا فبتقدير ذلك يكون هذا اعترافا بان العلم ليس هو نفس حصول تلك الماهية بل هو أمر زائد عليه ولكن يكون ذلك نوعا في ان ذلك الزائد عدمي أو وجودي وذلك بحث آخر وإذا بطل القسمان لم يبق الا الثالث وهو أن يكون العلم عبارة عن أمر زائد على حصول تلك الماهية في العقل واعلم أن الفلاسفة المتقدمين لما ذهبوا إلى أن العلم عبارة عن حصول ماهية المعلوم في العالم علموا انهم لا بد لهم من الفرق بين السواد حصول المعقول في العقل وبين حصول السواد في الجدار فلم يجدوا فرقا بين الامرين الا ان قالوا السواد إذا حل في العقل اتحد بالعقل واتحد العقل به وأما السواد الحال في الجدار فإنه لا يتحد به بالجدار ولا الجدار يتحد به والشيخ قد اختار القول بالاتحاد في كتاب المبدا والمعاد في الفصل الذي بين فيه ان الباري عاقل ومعقول واستدل على القول بالاتحاد بان المعقول لو لم يتحد بالعاقل استحال أن يعقل العاقل المعقول لان العاقل اما أن يكون هو النفس أو الصورة الحالة فيها أو مجموعهما وأبطل أن يكون العاقل هو النفس بان قال لو عقلت النفس السواد لان السواد حل فيها العقل الجواد السواد لان السواد حل فيه وقرر ذلك غاية التقرير فقد ظهران القول بان العلم هو نفس الانطباع لا يتمشى الا مع القول باتحاد العاقل بالمعقول ثم إنه رجع عن القول بالاتحاد في هذا الكتاب واعترف بأنه من الخرافات والجمع بين القولين مشكل بلى من قال العلم هو نفس الانطباع لا بد له من القول بالاتحاد لتمهد له الفرق بين حلول السواد في النفس وبين حصوله في الجسم ومن نفى الاتحاد فلا بد له من القطع بان العلم وراء الانطباع واعلم أن الكلام في ان العلم بالسواد مثلا ليس نفس حصول السواد للشيء ان المعقول لا يتحد بالعاقل أظهر من أن يحتاج في ابطاله إلى فضل بسط وتقرير بل كان من الواجب أن يكون فساد هذا المذهب وأمثاله معلوما بالضرورة وانما دعت الحاجة إلى تطويل القوم فيه لجهل المقلدة واصرارهم على تقرير كل ما يرونه في كتاب من يعتقدون فيه فكل ما أمكن ان ينطلق اللسان به وان كان فساده معلوما بالضرورة الحجة الثانية من الوجهين العامين على ابطال ما قالوه انه لو كانت حقيقة العلم والادراك عبارة عن حصول شيء لشيء مجرد لكنا إذا تصورنا موجودا ليس بجسم ولا قائما في جسم واعتقدنا انه حل فيه السواد وجب أن يقطع حينئذ بكون ذلك الموجود عالما بذلك السواد لأنه إذا كان لا حقيقة للعلم الا حصول السواد لذلك الموجود فتى عرفنا ذلك فقد عرفنا انه حصل له ما هو حقيقة العلم لكنا نعلم بالضرورة انه ليس الامر كذلك فانا بعد العلم بأنه تعالى ليس بجسم ولا حال في الجسم يصح منا الشك في انه تعالى هل يعلم ذاته وهل يعلم كونه فاعلا لغيره أم لا فعلمنا ان كون الشيء شاعرا بالشيء مغاير لحصول ذلك الشيء وأما الوجه الذي يخص الادراكات العقلية فهو أن يقول لا شك انا نعقل أنفسنا فاما ان يكون تعقلنا لذاتنا نفس ذاتنا أو أمرا زائد عليها والأول باطل من وجوه الأول وهو ان تعقلنا لذاتنا إذا كان نفس ذاتنا فعلمنا بعلمتنا بذاتنا نفس ذاتنا فيلزم ان يدوم علينا علمنا بذاتنا بدوام ذاتنا ثم إن المراتب في هذه العلوم غير متناهية فيلزم أن تكون تلك المراتب الغير المتناهية موجودة بالفعل دائما وهو مكابرة وسفه واما ان قيل علمنا بعلمنا بذاتنا هو غير علمنا بذاتنا فالكلام عليه مثل الكلام على القول بان علمنا بذاتنا غير ذاتنا وسيأتي ذلك الثاني ان علم الشيء بذاته لو كان هو نفس ذاته لم يكن العلم على الاطلاق عبارة عن حصول ماهية المعلوم في العالم لان الشيء الواحد لا يحصل لنفسه لا يقال حصول الشيء للشيء أعم من حصوله لغيره ولا يلزم من كذب الخاص كذب العام بل النفس جوهر قائم بذاته وانه حاصل لذاته فيما يعتبر أن هوية المجردة حاصلة لشيء يكون معقولا وبما يعتبران هوية المجردة قد حصل لها شيء يكون عاقلا