ذلك على وجه أشرح مما هاهنا ان شاء اللّه تعالى ثم لما فرغ من بيان هذا الأصل ذكر أن تلك الانفعالات الصاعدة تارة والنازلة أخرى تقبل الشدة والضعف ولولا ذلك لما كان بعض الناس أشد استعداد للغضب أو للعفة أو للفجور من البعض ولما كان كذلك دلنا على أن هذه الاستعدادات كيفية راسخة ثابتة في النفس سواء وجدت الافعال أو لم توجد القسم الثاني من هذا النمط في أحكام الادراك ثمان مسائل
* المسألة الأولى في ماهية الادراك وفيها فصل واحد
( إشارة * [ في بيان أحوال قوى النفس ]
ادراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك نشاهدها ما به يدرك فاما أن تكون تلك الحقيقة نفس حقيقة الشيء الخارج عن المدرك إذا أدرك فتكون حقيقة ما لا وجود له في الأعيان الخارجة مثل كثير من الاشكال الهندسية بل كثير من المفروضات التي لا يمكن إذا فرضت في الهندسة مما لا يتحقق أصلا أو يكون مثال حقيقته مرتسما في ذات المدرك غير مباين له وهو الباقي ) الشرح انه لما تكلم في وجود النفس وفي وحدتها أراد أن يتكلم في قواها ثم إن القوى النفسانية تنقسم بالقسمة الأولى إلى مدركة ومحركة فمن هذا الموضع إلى الموضع الذي سماه مكملة النمط في بيان القوى المدركة ومن ذلك الموضع إلى آخر النمط في بيان القوى المحركة وانما قدم الكلام في القوى المدركة على الكلام في القوى المحركة لان الحركة الاختيارية لا توجد الا عند الشعور بمطلوب أو مهروب عنه فيكون التحريك متفرعا على الادراك ولأجل ذلك ذهب بعضهم إلى أنه يجوز خلو بعض الحيوانات عن القوة المحركة بالاختيار مثل الأصداف والاسفنجات وان كان هذا المذهب باطلا ولم يجوز أحد خلو الحيوان عن القوة المحركة فلما كان الادراك متقدما على التحريك طبعا استحق التقديم عليه وضعا ثم إن الكلام في القوة المدركة فرع على الكلام في حقيقة الادراك فلا جرم تكلم أولا في ماهية الادراك وحقيقته وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول هذا الفصل يتضمن مطلوبين أحدهما ان ادراك الشيء لا يحصل الا عند حصول حقيقة المدرك في ذات المدرك وثانيهما أن ذلك لو ثبت فادراك الشيء هل هو نفس هذا الحصول أم لا والخائضون في هذه المسألة فلما يميزون بين المطلوبين ونحن نتكلم فيهما بعون اللّه تعالى ثم نرجع إلى تفسير الالفاظ المطلوب الأول في بيان ادراك الشيء لا يحصل الا عند حصول حقيقة المدرك في المدرك والدليل عليه أنا إذا تصورنا أمورا لا وجود لها بالفعل سواء كانت ممكنة الوجود مثل كثير من الهندسية أو لا تكون ممكنة الوجود فانا نميز بين ذلك المتصور وبين غيره وذلك يقتضى كون ذلك المتصور متميزا عن غيره وكل ما كان كذلك فإنه ليس عدما صرفا لان العدم الصرف لا يكون فيه امتياز وتخصص ولو جاز في المعدوم الصرف ان يكون بعضه متميزا عن البعض بالمقدار واللون والشكل لجاز في هذه الأمور تميز بعضها عن البعض بالبصر إذ تكون معدومة وذلك خروج عن العقل وقول من يقول إن تلك المتصورات غير متميزة بعضها عن البعض قبل وجود هل بل نحن قبل وجودها نعلم أنها بعد وجودها يكون بعضها متميزا عن البعض قول ضعيف لأنه إذا لم يكن هناك ما يشير العقل اليه وتحكم عليه بالامتياز استحال الحكم بان بعضها متميزة عن البعض بعد الوجود وإذا ثبت ان الأشياء التي يتصورها لا بد وأن تكون موجودة وظاهر أنها غير موجودة في الخارج إذا الكلام مفروض فيه فلا بدّ وأن تكون موجودة في الذهن فهذه هي الحجة المذكورة في الكتاب ثم هاهنا بحثان الأول ان هذه الحجة لا تنتج أن الادراك هو نفس حصول المدرك في المدرك بل لو أنتج فإنما ينتج أن المدرك لا بد وأن يحصل في الدهن فاما أن الادراك هو نفس ذلك الحصول أوامر آخر مشروط بذلك الحصول فإنها لا تظهر منها الثاني أن الادراكات التي يمتنع حصولها الا عند حصول مدركاتها في الخارج وهي الحواس الظاهرة فإنه لا يمكن أن يستدل بهذه الحجة على أنها عبارة عن حصول صورة المدركات في تلك القوى لاحتمال أن يقال إن تلك الادراكات عبارة عن تعلق القوى المدركة بها فالابصار عبارة عن حالة إضافية تحصل بين القوة الباصرة وبين