بل قد اعترف في الشفاء ان ذلك لم يصح بالدلالة ولا دلالة أيضا على صحة استحالة النار باردة والهواء صلبا بل قد دل على أن النار تصير أرضا على سبيل التكون بمعنى ان الصورة النارية تزول عنه وتحدث الصورة الأرضية ولكن لم يدل على أن النار مع بقاء صورتها النارية يمكن أن تزول عنها الحرارة وتحدث فيها البرودة بل الذي بينه هاهنا صحة صيرورة الماء حارا مع بقاء الصورة المائية وفيه أيضا إشارة خفيفة إلى صحة استحالة الحار باردا ولكن أكثر الكلام في الصورة الأولى ثم اعلم أن منكري الاستحالة اتفقوا على أن جرم الماء لم يتسخن قط بل الذي يحس بحرارته أجزاء نارية مخالطة لتلك الأجزاء المائية ثم إنهم تخربوا بعد ذلك حزبين فمنهم من زعم أن أجزاء نارية وردت على الماء فخالطته فلما اختلطت الاجزاء الصغيرة جدا من الحار والبارد أحس بالكل كأنه حار ومنهم من زعم أن تلك الأجزاء النارية كانت كامنة في جرم الماء وفي الأشياء لارضية التي تخرق فلما برزت من الكمون أحس بها والغرض من هذا الفصل ابطال القول الأول والشيخ ذكر هاهنا في ابطال ذلك وجوها خمسة الأول أن المحكوك والمخلخل والمخضخض قد يحمى من غير عروض نارية غريبة اليه واعلم أنه لما أراد أن يبين ان الأرض والماء قد يسخنان مع بقاء طبيعتيهما وكذلك الهواء قد يسخن فوق ما يستحقه الطبيعة الهوائية ذكر ألفاظا ثلاثة نبه بها على هذه المطالب فالمحكوك هو الجسم الصلب الأرضي الذي يماسه جسم آخر كذلك مماسة قوية فهذا الجسم قد يسخن فدل على أن الأرض قد تسخن من غير وصول نارية غريبة إليها وأما المتخلخل فقد علمت أن المتخلخل قد يكون من باب الوضع وهو انفشاش الاجزاء وقد يكون من باب الكيف وهو رقة القوام والمراد بالمتخلخل هاهنا الثاني فان من ألح على الكير بالنفخ الكثير ومنع من وصول الهواء الغريب اليه فان ذلك الهواء يصير متخلخلا جدا وبسبب ذلك يستحق فوق ما تستحق الطبيعة الهوائية وأما المخضخض فهو الجسم الذي يغلب عليه الماء فإنه إذا حرك كثيرا يسخن فهذا هو الفائدة من هذه الالفاظ الثلاثة الثاني وهو انا إذا سخنا ما بين متساويين في الرقة والكدورة في اناءين أحدهما متخلخل والآخر مستخصف فلو كان تسخن الماء عبارة عن نفوذ الاجزاء النارية فيه ومعلوم ان نفوذ الاجزاء النارية في الاناء المتخلخل أسهل ونفوذها في الاناء المستخصف أقل لكان تسخن الماء في الاناء المتخلخل أسرع من تسخن الماء الذي في الاناء المستخصف ولكان نسبة تسخن الماء في أحدهما إلى الماء الذي في الآخر كنسبة أحدهما إلى الآخر في التخلخل والاستحصاف فلما لم يكن كذلك علمنا أن التسخن للنفوذ الثالث وهوانا إذا ملأنا الاناء من الماء وصممنا رأس الاناء صما شديدا وكان الاناء معدوم المنافذ فهذا الاناء لا يخرج منه شيء من الاجزاء المائية وان خرج منه فإنه يكون قليلا وإذا كان كذلك امتنع أن يدخل فيه شيء من الاجزاء النارية اللهم الا أن يقال الماء الذي يكون فيه يصير مقداره أقل ولكن المانعين من الاستحالة يقولون بذلك وإذا كان كذلك وجب في مثل هذا الاناء ان لا يسخن ما فيه من الماء وان تسخن فإنه يسخن قليلا فلما لم يكن كذلك بل كان تسخن الماء الذي في مثل هذا الاناء أولى من تسخن الماء المحصور في الاناء المتخلخل المفتوح الرأس علمنا أن التسخن ليس لما قالوه الرابع ان القمقمة إذا ملئت ماء وسد رأسها سدا وثيقا ثم أوقد تحتها نارا عظيمة فإنها تنشق ويخرج منه صوت عظيم مع أن أكثر ما فيه من الماء قد انقلب نارا وهذه الحجة قد جعلها في سائر المواضع دليلا على الكون دون الاستحالة الخامس أن الجمد يبرد ما فوقه مع أن الاجزاء الباردة لا تنصعد ولقائل أن يقول الذي يبرد فوق الجمد ليس الا جسم أرضى أو هوائى أما الجسم الأرضي فهو بارد بطبعه فيكون تبرده ليس بالاستحالة بل بالطبع وأما الهواء فان ثبت انه بارد بالطبع لم ينتفع بالحجة المذكورة وان ثبت انه حار لم يحتج إلى هذه الحجة فإنه لا شك في أن الهواء قد يبرد فإذا كانت طبيعته تقتضى بالحرارة كانت برودته على سبيل الاستحالة ولنرجع إلى شرح المتن فأما ألفاظ السؤال فبينة وأما قوله فاعتبر حال المحكوك والمتخضخض حتى يحمى من غير وصول نارية اليه فهذا هو الحجة الأولى
وأما قوله واعتبر حال المسخن في مستخصف وفي متخلخل هل يمنع لاستخصال نفوذ ما يسخن بالفشو فيه على نسبة قوامه فهذا هو الحجة الثانية قال صاحب الصحاح استخصف الشيء أي استحكم ومعنى الكلام اعتبر حال الماءين المسخن أحدهما في اناء مستخصف والثاني في اناء متخلخل فان الاستحصاف يمنع نفوذ الاجزاء النارية التي لا يسخن الماء الا بفشوها فيه عند الخصم فكان يلزم أن لا يسخن الماء وأما قوله وهل الامتلاء من مصموم معدوم المنفذ يمنع البلاغ في التسخن بمنع الفشو إذا كان لا يخرج منه شيء يعتد به حتى يعتد مكانه فاش يعتد به فهو الحجة الثالثة ومعناه ان الآنية التي لا يكون لها منفذ أصلا وصممنا رأسها بشيء صما وثيقا وانه لا يخرج منه الماء الا القليل وحينئذ لا يفشو فيه من الاجزاء النارية الا القليل فكان يجب أن لا يشتد التسخن وأما قوله واعتبر القماقم الصباحة فهو الحجة الرابعة وأما
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 117
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٧