والدليل على ذلك أنه متى ما نال هذه الأعصاب ضرب من قطع أو فسخ أو انسدّت المجاري التي فيها بطلت حركة ذلك العضو الذي كانت تنبعث اليه أو ضعفت من الآفة فقد ترى يد المفلوج صحيحة لا علة بها في ظاهرها وهو عند وجود هذه الآفة في اليد لا يمكنه يحسّ بها شيئا ولا يحسّ بها ولا يحرّكها . وكذلك يرى أيضا فيمن به السّكتة فتكون أعضاؤه صحيحة مستوية وهو لا يحرّكها ولا يحسّ بها شيئا . فإذا عولجت هذه العلل بما يفتح مجاري الدماغ وضمّدت فقارات الصّلب وتنقّى أرباب ( أسباب ) هذه العلل بالأدوية الجاذبة من الدماغ المنقية للمجاري التي في الأعصاب والمفتحة لتلك السدد رجع إلى الأعصاب الحسّ والحركة ان لم تكن العلّة قد جاوزت مقدار العلاج وتكون ( وتكن ) الأعضاء قد ضعفت عن احتمال الأدوية وربما عرض للروح التي في التجويفات كلها أو بعضها آفة من سوء مزاج أو مخالطة انجرة رديئة فتفسد لذلك وتبطل افعال تلك الأعضاء وذلك ان الضرر والتغيّر ان نال الروح الذي في التجويفين المقدّمين كان من ذلك فساد الحواس . كالذي ينال من يدخل الحمّام ويطيل المكث فيه فيظلم بصره ولا يرى شيئا وكالذي يهيج به أيضا مرارا فيبخّر إلى رأسه فيتصل ذلك البخار بالروح الذي في مقدم دماغه فيظلم بصره ولا يبصر شيئا . وكذلك يعرض في السمع وفي سائر الحواس فان حلّت الآفة بالجزء الأوسط كان باقي اجزاء الدماغ سليما فسد الفكر والتمييز فقط وبقي الحسّ والحركة مستويين كالذي يعرض في العلة التي تسمّى ماليخوليا وهي اختلاط العقل وكالوسواس وفساد التمييز . فان حلّت الآفة في اثنين من هذه التجويفات أو ثلاثة واشتملت على الدماغ كلّه كانت الآفة في التمييز والحسّ والحركة كالذي يعرض في الصّرع والسكتة وما أشبه ذلك من العلل فقد صحّ ممّا قلناه ان الروح في تجويفات الدماغ وانه يفعل افعالا مختلفة امّا الذي في التجويفين المقدّمين فيفعل الحسّ السمعيّ والبصري والذوقي والشمّي وبعض اللمس ويفعل ذلك التخيّل وهو الذي تسميه اليونانيون فنطاسيّا . وان الروح الذي في التجويف الأوسط يفعل الفكر والتمييز والرويّة . وان الروح الذي في التجويف ( الذي في مؤخّر الدماغ ) يفعل الذكر والحركة فقد حصل لنا ممّا بينّاه ان الروح في بدن الانسان روحان أحدهما يقال له
مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى ) — صفحة 126
مساهمون: لويس شيخون وآخرين
ص١٢٦