فيها غاية الاختصار والايجاز لما شاهدت من كثرة أشغالك باعمال السّلطان وضيق الزمان الذي لا يمكنك فيه النّظر في هذه الكتب وأرجو أن يكون فيما رسمت من ذلك مع معرفتك بالعلم الطبيعي وبراعتك فيه بلوغ مطلوبك ان شاء اللّه تعالى فأقول ان الذي يريد ان يعلم الفصل بين شيئين محتاج إلى أن يعلم ماهيّة كل واحد منهما اوّلا لأنه غير ممكن ان يفصل بين شيئين مجهولين ومع معرفة كل واحد منهما يعرف الفصل بينهما . وإذ نريد ان نبيّن الفصل بين النفس والروح يجب اوّلا ان نخبر عن النفس والروح ثمّ عن الفصل بينهما . فلنبدأ أولا بالقول في الروح إذ كان أسهل منهجّا ثم نتبعه بالقول في النفس
القول في معرفة الروح الحيواني
اعلم انّ الروح جسم لطيف « 1 » ينبثّ في بدن الانسان من القلب في الشرايين فيفعل الحياة والنفس والنّبض وينبثّ من الدماغ في الأعصاب فيفعل الحسّ والحركة وقد زعم المحمودون ممّن عمل التشريح في الأحياء من الأطباء والفلاسفة انّ في القلب تجويفين أحدهما في جانبه الأيمن والآخر في جانبه الأيسر وهذان التجويفان فيهما دم وروح بل في التجويف الأيمن من الدم أكثر ممّا فيه من الروح وفي التجويف الأيسر من الروح أكثر ممّا فيه من الدم . وينبعث من التجويف الذي في الجانب الأيسر عرقان يصير أحدهما إلى الرئة فيكون به تنفّس القلب وذلك ان القلب ينقبض وينبسط وبانقباضه وانبساطه يكون النّبض في سائر البدن ولذلك صار النبض دالّا على حركات القلب الذاتيّة المستوية والمختلفة بسبب ضرر ينال القلب في نفسه أو من بعض الأعضاء المجاورة له .
فالقلب إذا انبسط اجتذب بذلك العرق من الرئة شيئا من الهواء الذي يصير إليها بالنفس لترويح الحرارة الغريزية التي فيه وتكون مادّته الروح الذي في تجويفاته وإذا انقبض القلب دفع بذلك العرق إلى الرئة ما تولّد فيه من البخارات الدخانيّة عن الحرارة النارية التي فيه وأخرجتها الرئة عن البدن . وهذا العرق هو المعروف بالشريان الوريديّ وسمّي بهذا الاسم لأن هيئته هيئة وريد وفعله فعل شريان . والعرق الآخر تسمّيه العرب الأبهر وينقسم عند منتهاه من القلب قسمين أحدهما يتراقى في أعالي البدن
هامش
( 1 ) راجع مقدّمتنا والحاشية في أول الرسالة