الفصل التاسع والأربعون في بيان انّ النفس تدرك بجوهرها بعد فراق الجسد
والدليل على ذلك هو ان النفس بسيطة عريّة عن الهيولى المانع لها عن الادراك .
فإذا كان ذلك كذلك وجب ان يصدق في حقّها انها تدرك بجوهرها - ونقول أيضا انّ النفس لها الادراك بالطبع وكلّ ما كان بالطبع لا يفتر عن فعله الّا بقاسر يقتسره وقاهر يقهره وذلك مما عرض للنفس بمراقبة الجسد وكثرة دواعيه واشغاله المانعة لها من سلوكها وفعلها بالطبع . فإذا زالت مراقبة هذا المانع عادت إلى طبعها الاعلى لانّ زوال الموانع يوجب استكمال الافعال ويوفق الأرب والغرض
الفصل الخمسون في انّ النفس تعرف ذاتها وتعرف أيضا انّها مخلوقة
قد سبق ان صفات النفس باقية فيها بعد فراق الجسد ومن صفات النفس العلم فلا بدّ اذن من القول انّ النفس تعرف انّ لها خالقا وانّها مخلوقة وانّها اتّحدت بالجسد وانتقلت عنه كما انّها تعرف اجزاء هذا الجسد المتبدّدة في العناصر وتعرف انّها ستتّحد به ثانية وتعرف الملائكة والجنّ عند خروجها من الجسد وتعرف النفوس الشبيهة بها والمكان الروحانيّ المعدّ لها وتعرف وتشعر بالقرابين والصدقات التي تقرّب عنها . اما الأمور التي لا تعرفها فهي أحوال عالمنا وجميع ما يبعد عنها بالصفة
الفصل الحادي والخمسون في الردّ على من قال إن النفس إذا فارقت الجسد تحلّ امّا في الحيوانات أو في النباتات
نقول انّ ذلك محال لانّه يوجب ان ليس في الكون حيوان يصحّ حدّه « 1 » وانّ الذي يأكل لحم الحيوان أو يقطع الشجر ويحرق خشبه يصيب بذلك الانسان الذي حلّت نفسه بهذا الحيوان أو بهذا النبات ولساغ أيضا ان تسمّى نفس الانسان تارة ناطقة وأخرى صاهلة أو نابحة أو ناهقة وحينا نابتة ونامية وكل ذلك لا يرضى به عاقل
هامش
( 1 ) وذلك لان التقمّص يخلط الأنواع ببعضها ويجعل الحيوان الناطق بحلوله في البهيمة غير ناطق وبحلوله في النبات جسما بلا حسّ