فلا منافاة .
فإن قيل : لا يكفي للحركة الأينية تبدّل المكان فقط ، بل لا بدّ أن يكون ذلك التبدّل صادرا من ذلك المتحرّك حتّى لا ينتقض بالطير الواقف في الريح الهابة ؛ قلت : تحقيق ماهيّة الحركة يقتضي أن يكون إذا كان شيء ما بحيث إذا فرض كلّ آن في أثناء تغيّر حاله كان له فرد من مقولة لا يكون له قبل ولا بعد كان متحرّكا في تلك المقولة . وأمّا كون ذلك بفعله أو بفعل غيره فلا تقتضيه ماهيّة الحركة ؛ فتأمّل ! ( 58 ) . فيه بحث ! لأنّ كون الحركة بالذات لا يقتضي أن يكون مبدء الحركة قائما بذلك المتحرّك . ألا ترى أنّ الرامي إذا رمى سهما لم تكن الإرادة قائمة بالسهم ، مع أنّ السهم كان متحرّكا بالذات لا بالعرض ؟ ! فالصواب أن يقال : لا بدّ في المتحرّك بالذات من أن يكون الميل قائما به حقيقة ، وفي الحجر المذكور لم يكن الميل إلى موضع إرادة الحامل موجودا فيه لوجود الميل فيه إلى السفل على ما يحسّه الحامل ؛ وقد تقرّر امتناع اجتماع الميلين المختلفين .
( 59 ) . فيه إشارة إلى أنّ السكون في قول الشارح : « أو سكونا » إن لم يكن فضلا ليس هو الحقيقي ، بل السكون المقابل للحركة الإضافية أي : السكون المحسوس ، لأنّ الحسّ إنّما أحسّ بالحركة والسكون من جهة الإحساس يتجاوز عن سمت معيّن وعدم تجاوزه عنه ، وأمّا تجاوزه عن مكانه الحقيقي وهو السطح الباطن فغير محسوس فيما نحن فيه . ولو حمل السكون على السكون الحقيقي لا شكّ ل الأمر في إقامة الكواكب المتحيّرة ووقوفها حيث لزم السكون حقيقة في الأفلاك .
وربما يجاب عن الإشكال بمنع جواز اجتماع الحركتين المختلفتين ، والسند بأنّا إذا فرضنا أنّ شخصا كان على السفينة على وجه لا يتحرّك بحركة السفينة بأن كان مصلوبا من موضع مرتفع بحيث يماسّ سطح السفينة قدميه فلا شكّ أنّ ذلك الشخص كان ساكنا بالضرورة مع أنّ حاله مثل حال ما فرض كونه متحرّكا على خلاف السفينة حركة مساوية لحركتها ، بل هذا الشخص في حركة القدم لا يقصد سوى المدافعة مع السفينة لا تتحرّك بحركته ، ففي هذه المدافعة حفظ نفسه عن أن يتحرّك بحركة السفينة لا أنّه يتحرّك حركة
الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي ) — صفحة 349
مساهمون: قطب الدين الرازي
ص٣٤٩