الثاني : إنّا لا نسلّم أنّ ترك حدّ أو وضع هو التوجّه إلى ذلك الحدّ أو الوضع ، بل يترك حصولا في حد أو وضع ويتوجّه إلى مثل ذلك الحصول في ذلك الحدّ أو مثل « 1 » ذلك الوضع « 2 » . ضرورة انعدام ذلك الحصول وذلك الوضع بتركه ، وامتناع إعادة المعدوم .
فالأولى أن يقال : إنّ طلب وضع معيّن بالطبع وتركه بالطبع ممّا لا يتصوّر ، بخلاف الإرادة على ما تقرّر فيما سبق .
الثالث : هب ! أنّ ترك كلّ وضع عين التوجّه إلى ذلك الوضع ؛ لكن لا نسلّم أنّه يلزم منه أن يكون المطلوب بالطبع متروكا بالطبع . وإنّما يكون كذلك لو كان المطلوب هو الوضع ، وهو ممنوع ، لجواز أن يكون المطلوب نفس الحركة أو شيئا آخر ؛ وجوابه : إنّ الحركة ليست مطلوبة بذاتها « 3 » ، بل بغيرها ، فإنّها لذاتها تقتضي التأدّي إلى الغير ، فيكون المطلوب ذلك الغير . والمطلوب بالحركة إمّا الكمّ أو الكيف « 4 » أو الأين أو الوضع ، والثلاثة الأول منتفية « 5 » هنا « 6 » ، فتعيّن أن يكون المطلوب الوضع .
الرابع : إنّا لا نسلّم أنّ القسر لا يكون إلّا على خلاف الطبع . فربّما يكون على خلاف الإرادة ، بحيث « 7 » يريد السكون في الموضع ويقسّر على الحركة عنه . ولئن سلّمناه فلا نسلّم أنّه يلزم من انتفاء الحركة بالطبع انتفاء القسر ، لجواز أن يقتضي الجسم السكون بالطبع ويتحرّك « 8 » بالقسر [ 9 ] . والمعتمد في ذلك ما مرّ في النمط الثاني من أنّ مبدأ الحركة الفلكية طباعي . وإذ قد بان أنّ « 9 » الحركة السماوية إرادية فمرادها إمّا أن يكون جزئيا ، أو كلّيا [ 10 ] . والأوّل محال ، لأنّه إمّا أن يكون ممكن الحصول ، أو لا . فإن كان ممكن الحصول فإذا ناله انقطع حركته ، وإلّا استحال طلبه . ومذهب المشّائين أنّ المباشر لتحريك الفلك هو النفس المنطبعة فيه . فعلى هذا لا يكون مرادها كلّيا ، إذ « 10 » المراد لا بدّ أن يكون مدركا والمدرك الكلّي « 11 » يمتنع أن يرتسم في القويّ الجسمانية .
ولهم أن يجيبوا عن ذلك الدليل بأجوبة :
هامش
( 1 ) . ق : في . . . مثل .
( 2 ) . س : بل . . . الوضع .
( 3 ) . ج : لذاتها .
( 4 ) . م : الكيف أو الكمّ .
( 5 ) . م : منتقضة .
( 6 ) . م : هاهنا .
( 7 ) . ج ، س : حيث .
( 8 ) . ق ، س : تحرّك .
( 9 ) . م ، ق ، ص : انّ .
( 10 ) . م ، س : إذا .
( 11 ) . م : للكلّى .