لزم أن يكون عدم الشيء محتاجا إليه لوجوده ؛ ومن المعلوم إنّ لا علاقة علّية بين الشيء ونقيضه ، بل المراد منه التجرّد عن الوجود والعدم بحسب العقل . فالماهيّة في تلك المرتبة لم تكن موجودة ولا معدومة بأن تكون المرتبة ظرفا للسلب ، لكن صحّ أنّها معدومة في تلك المرتبة على أن تكون المرتبة ظرفا للوجود المضاف إليه السلب .
وليس هذا ارتفاع النقيضين المستحيل ، لأنّ نقيض الوجود في المرتبة سلب الوجود في المرتبة ، على أن تكون المرتبة قيدا للوجود وهو صادق ، لا على أن تكون قيدا للسلب .
ثمّ لمّا كان الوجود ليس زائدا على ذاته - تعالى - لم يتصوّر في شأنه مرتبة التجرّد عنه ، فلا يتصوّر في حقّه الحدوث الذاتي .
وهاهنا زيادة تحقيق وشّحنا به حاشية لتجريد .
ولا يخفى أنّ المدّعى على ما قرّرنا حقّ ولا يرد عليه شيء ممّا ذكره صاحب المحاكمات على تقريره .
( 45 ) . فيه : أنّه لا يكفي في التصدير بالتنبيه مجرّد كون المدّعى مذكورا بلا دليل ؛ بل لا بدّ من أن يكون واضحا في نفسه أو معلوما من الفصل السابق على ما مرّ في أوّل الكتاب .
بل الوجه أن يقال : هذا الطريق من الشيخ للتنبيه على تفاوت مراتب الطبائع ، كأنّ هذا الحكم واضح بالنسبة إلى بعض العقول خفيّ بالقياس إلى ما عداه ؛ فإنّ هذا الحكم مطبوع يقبله الطبع الّذي لم يختلّ بسوء الاستعداد بلا ملاحظة دليل . وسيشير إليه الشارح حيث قال : « وعلى حكم قريب من الوضوح . . . » .
فإن قلت : يمكن أن يقال أيضا : الدعوى ليس في قوّة الثانية ، إذ حاصل الأولى دعوى استلزام وجود العلّة التامّة وجود المعلول وامتناع تخلّفه عنه ، ودعوى الثانية عبارة عن وجوب المعلول في نفسه عند وجود العلّة التامّة . ومن البيّن أنّ الأولى لا يستلزم الثانية ، إذ لا يلزم من امتناع تخلّف شيء عن شيء وجوب تحقّق الشيء الثاني عند تحقّق الشيء الأوّل ، وإلّا لزم وجوب تحقّق جميع اللوازم في أنفسها ؛ ولهذا قالوا : فرق بين المشروطة بالشرط والمشروطة ما دام الوصف ، وإنّ بينهما عموما من وجه .
الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي ) — صفحة 221
مساهمون: قطب الدين الرازي
ص٢٢١