فإن قلت : الإمكان الذاتي كيفية للنسبة ، فيكون قائما بها لا بالممكن ؛ قلت : كما فسّروا الإمكان الذاتي بكيفية النسبة كذلك فسّروه بعدم اقتضاء الماهيّة الوجود والعدم ، وبكون الماهيّة متساوي النسبة إلى الوجود والعدم . ومن الظاهر أنّ عدم الاقتضاء وكون الماهيّة متساوي النسبة صفة للماهيّة قائمة بها .
( 31 ) . فيه نظر ظاهر ! فإنّ إمكان كون الجسم أبيض يقتضي إمكان وجود الجسم لا وجوده بالفعل لما تقرّر أنّ الممكنة تقتضي وجود الموضوع على سبيل الإمكان لا بالفعل .
لا يقال : لو لم يوجد الجسم لم يمكن كونه أبيض ، إذ على تقدير عدم الجسم يمتنع كونه أبيض لأنّا نقول : إمكان كونه أبيض بشرط عدمه لا في وقت عدمه ؛ والمدّعى هو أنّ في وقت عدم الجسم يمكن أن يكون الجسم أبيض ؛ فلا محال .
وخلاصة الجواب عن السؤال المذكور : أنّا نختار كون المراد هو الإمكان الذاتي .
قولك : « أنّه صفة للماهيّة الحادثة نفسها لا لمادّتها » ، قلنا : الإمكان قد يتعلّق بالوجود بالعرض أي : وجود الشيء على صفة ، وهذا المعنى ممّا لا شكّ في قيامه بذلك الشيء الّذي هو المحلّ للحادث لا بالحادث . وإمكان وجود الشيء على صفة وكذا إمكان وجود الشيء مع الشيء يقتضي وجود ذلك الشيء أوّلا . وهو المادّة للحادث أو الموضوع له .
فحينئذ ان استدلّ بالإمكان بهذا المعنى فقد يتمّ الدليل سالما عن المنع والسند .
وقد يتعلّق بالوجود بالذات أي : بالوجود في نفسه ، وإمكان وجود البياض مثلا في نفسه وإن كان قائما بالبياض لكن إمكان وجود البياض في نفسه لا يتصوّر إلّا بإمكان وجوده / 15
DA
/ في الجسم أي : إمكان وجود الجسم على صفة البياض وإمكان كون الجسم أبيض ؛ وقد علمت أنّ هذا الإمكان يقتضي تحقّق الجسم أوّلا .
وأمّا الشيء الّذي لا علاقة معه بشيء من الموادّ والموضوعات فممتنع الحدوث على ما فصّله .
( 32 ) . احترز بذلك عمّا إذا لم يكن حادثا كالأعراض القائمة بالعقول والأفلاك عندهم . وفيه تنبيه على مسامحة وقعت في تقرير الشرح حيث لم يتعرّض لهذا القسم .