أحدهما بالقبلية والبعدية يقتضي زمانا آخر ، واتّصاف الآخر بها لا يقتضي ذلك ، بل هو بالحقيقة فرق بين القول بتناهي الأمور المتعاقبة الضرورية في حدوث الحادث وبين القول بعدم تناهيها سواء كانت تلك الأمور أزمنة أو حوادث واقعة فيها ، ولا اختصاص لها بالأوّل .
( 26 ) . توجيه كلام الشارح : أنّه منع أوّلا المقدّمة المذكورة في الفرق الثاني وهو : أنّ معنى قولنا : اليوم متأخّر عن أمس : إنّه لم يوجد معه ، واستنده بأنّ هذا يقتضي تأخّر الغد عن اليوم . ثمّ سلّم أنّ معناه ذلك والتزم التسلسل على ما قرّرناه .
ثمّ قال : « وإن رجع الفارق عن التفسير المذكور هربا عن لزوم المحذور المذكور وغيّر كلامه إلى ما ذكره ثانيا يلزم المحذور من طريق آخر ، وهو إنّ لفظة كان مشعرة بمضيّ زمان » .
أقول : وكذا لفظة « حين » مشعرة بزمان حاضر . والحقّ إنّ بناء اللغة ليس على المضايقة في أمثال هذه ، وأنّ تحكيم اللغة في المطالب البرهانية ممّا لا ينبغي ؛ فتأمّل ! وعلى هذا لا يتوجّه ما ذكره . ولعلّه لهذا قال : « فالأولى » ؛ ولم يقل : « فالصواب » .
( 27 ) . حام حول الألفاظ والعبارات ولم يفعل في تقرير كلام الشارح إلّا توضيح الواضحات وتبيين المبيّنات ! ولم يبيّن ما هو المقصود من الخطاب ولم يتميّز بين القشر واللباب ! ! وتوضيح كلامه : إنّ أجزاء الزمان متساوية في الماهيّة ولم يتّصف بالقبلية والبعدية في الخارج ، بل في الوهم ، ولكن بعد التجزية ؛ وحينئذ فتخصيص بعضها بالقبلية والبعدية المخصوصة وكذا الحدود المفروضة فيها بهما كتخصيص زيد بالهوية المختصّة به وعمرو بالهوية المختصّة به . وكما أنّ السؤال عن اختصاص زيد بالهوية المختصّة به ممّا يعدّ سخيفا وكان مثل السؤال عن اختصاص زيد بالزيدية ، كذلك السؤال عن اختصاص الأمس بالسبق على اليوم لا معنى له . وأمّا إنّ هاذيّة الأمس مثلا بالتقدّم على اليوم فذلك لأنّ ماهيّة الزّمان هو اتّصال التقضّي والتجدّد وامتدادهما . صار حاصل كلامه رحمه اللّه :
أنّ التقدّم والتأخّر بالنسبة إلى أجزاء الزمان داخلة في هويّاتها غير خارجة عنها ؛ وليس معناه : انّ أجزاء الزمان نفس التقدّمات والتأخّرات . كيف والتقدّم والتأخّر من مقولة
الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي ) — صفحة 213
مساهمون: قطب الدين الرازي
ص٢١٣