الهيكل السّادس
اعلم أنّ النفس لا تبطل ببطلان البدن لأنّها ليست ذات محلّ فلا ضدّ لها ولا مزاحم ومبدؤها دائم فتدوم به « 1 » وليس بينها وبين البدن إلّا علاقة [ عرضية ] شوقيّة لا يبطل ببطلانها الجوهر المتعلّق وتعلم أنّ لذّة كلّ قوة إنّما تكون بحسب كمالها وإدراكها وكذا ألمها ولذّة كلّ شيء وألمه بحسب ما يخصّه فللشمّ ما يتعلّق بالمشمومات وللذوق ما يتعلّق بالمذوقات وللّمس ما يتعلّق بالملموسات وكذا نحوها فلكلّ ما يليق به وكمال الجوهر العاقل الانتعاش « 2 » بالمعارف من معرفة الحقّ والعوالم والنظام وبالجملة فكماله بمعرفة امر المبدأ والمعاد والتنزّه من القوى البدنيّة ونقصه في خلاف هذا وتتعلّق لذّته وألمه بهما .
واللذيذ والمكروه قد يصلان دون حصول لذّة وألم « 3 » كمن به سكتة أو سكر شديد لا يتألّم بالضرب الشديد ولا يلتذّ بحضور المعشوق فالنفس ما دامت مشتغلة بهذا البدن لا يتألّم بالرذائل ولا تلتذّ « 4 » بالفضائل لسكر الطّبيعة فإذا فارقت تتعذّب نفوس الأشقياء بالجهل والهيئة الرديّة « 5 » الظلمانيّة والشّوق إلى عالم الحسّ كما قال اللّه تعالى :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
. سباء / 34 .
وسلبت قواهم لا عين باصرة ولا أذن سامعة ينقطع عنها ضوء عالم الحس ولا يصل إليها نور القدس حيران « 6 » في الظّلمات [ إذ الظّلمة لا معنى لها إلّا عدم النور ] فانقطع عنها النّوران فيتسلّط عليها الفزع والهيبة والهموم والخوف لأنّها من لوازم الظّلمة ولهذا من تغيّر مزاج روحه وحصل فيه ظلمة وكدورة كأصحاب الماليخوليا يتسلّط عليه الفزع والهموم فكيف حال من وقع في الظّلمات مع اليأس عن التخلّص ومصاحبة المؤذيات ومقارنة
هامش
( 1 ) فتدوم النّفس به .
( 2 ) الانتقاش .
( 3 ) واللذيذ والمؤلم قد يحصلان دون لذّة وألم .
( 4 ) ولا تتلذّذ .
( 5 ) الرديئة .
( 6 ) حيارى .