تقليد الفلاسفة الّذين هم معترفون برجحان الأنبياء عليهم ويتبركون بالانتساب إليهم .
ومن العجب العجاب « 189 » أنّ بعض الهمج من المتفلسفة يتمادّون في أعينهم ، ويقولون إنّ كلام الأنبياء مؤوّل ، ولم يريدوا به ظاهره ، مع أنّا نعلّم أنّه نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل أصلا كما قال الإمام الرازي : لا يمكن الايمان بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإنكار الحشر الجسماني فإنّه قد ورد في مواضع من القران المجيد التصريح به ، بحيث لا يقبل التأويل أصلا .
وأقول : لا يمكن الجمع بين قدم العالم والحشر الجسماني أيضا ، لأنّ النّفوس الناطقة لو كانت غير متناهية ، على ما هو مقتضى القول بقدم العالم ، امتنع الحشر الجسماني عليهم ، لأنّه « 190 » لا بدّ في حشرهم جميعا ، من أبدان غير متناهية وأمكنة غير متناهية ، وقد ثبت أن الأبعاد متناهية .
ثمّ إنّ التأويلات الّتي يتمحّلونها في كلام الأنبياء ، عسى أن يتأتّى مثلها في كلام الفلاسفة ، بل أكثر تلك التأويلات من قبيل المكابرات السوفسطائية ، فإنّا نعلم قطعا أنّ المراد من هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسّنة ، هي معانيها المتعارفة عند أهل اللّسان ، فإنّا كما لا نشكّ في أنّ من يخاطبنا بالاستفسار عن الجزء « 191 » الّذي لا يتجزّى لا يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلا في قيامه وقعوده ، وكذلك لا نشكّ في أنّ المراد بقوله تعالى :
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
. يس / 78 - 79 .
هو هذه المعاني الظاهرة لا معنى آخر من أحوال المعاد الرّوحانى الّذي يقول به الفلاسفة ، وبالجملة فنصوص الكتاب يجب حملها على ظاهرها ، ما لم يمنع عنه مانع قوى ، من برهان عقلي أو قرينة صارفة عن الحمل على الظّاهر ، والتّجاوز عن هذا المنهج غىّ وضلال ، والتزامه طريق أهل الكمال ، رزقنا اللّه تعالى الاعتصام بهذه العروة الوثقى ، وثبّتنا على نهج الاستقامة والهدى ، بحقّ محمّد المصطفى وآله « 192 » وصحبه ، مفاتيح الهدى ومصابيح الدّجى ومخاريج التّقى .
هامش
( 189 ) ومن أعجب العجائب . س .
( 190 ) إذ . س .
( 191 ) عن مسألة الجزء س .
( 192 ) وعلى المرتضى وآله . س .
تمحّل الشيء - اى احتال في طلبه وتكلّفه .