استيثاره بالقدم الزماني ، كما استأثر بالقدم الذاتي ليظهر توحّده بالبقاء أزلا وأبدا من غير شريك فيه .
الوجه الرابع :
من وجوه استدلالاتهم « 184 » على قدم العالم ، هو أنّ كلّ حادث مسبوق بالمادّة فلو لم يكن المادّة قديمة لكانت مسبوقة بمادّة أخرى ويتسلسل .
والجواب أنّ هذا ممّا لا يكاد يتمّ ، فإنّ دلائل وجود الهيولى مقدوحة بوجوه مفصّلة في كتب القوم وتصانيفهم « 185 » ، وقولهم إنّ حدوث الشيء لا عن شيء محال ، ممّا لا دليل عليه ، ودعوى البداهة فيه ممنوعة ، غاية الأمر إنّا عاجزون عن إحداث الشيء عن لا شيء ، لأنّ ذلك من خواصّ القدرة الأزليّة الإلهية الغالبة على جميع الممكنات ، بحيث لا يأبى عن إطاعتها شيء من الأشياء .
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. يس / 82 .
فإنّ سياق الآية بظاهرها يدلّ على أنّه لا يتوقّف إعادة شيء من الأشياء على ما عدا الأمر الإلهى ، والحقّ أنّ ما اطّلع عليه الفلاسفة المتقدّمون « 186 » وعوّلوا عليه في حدوث الممكنات ، وهو النهج المتعارف المشهور ، وأمّا الأمور النادرة الّتي لا يتكرّر إلّا في المدّة المديدة من خوارق العادات وأمثالها ، فلم يتضح عندهم حقّ الايضاح .
وقد أشار إلى صحّتها الرئيس في مقامات العارفين من الإشارات .
ثمّ لا يذهب عليك ، أنّه إذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم ، وثبت بالتواتر أخبار الأنبياء الّذي هم صفوة البرايا ، وإجماع أهل الملل على ذلك .
وقد نطق به الوحي الإلهى على وجه لا يقبّل التأويل إلّا بوجه بعيد ، ينبو « 187 » عنه الطّباع السليمة ، والأذهان المستقيمة ، فلا محيص عن متابعة الأنبياء في ذلك والأخذ بقولهم كيف والفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم ، ويبنون أصول مقالاتهم على ما يزعمون أنّه مأخوذ منهم وأساطينهم ينتمون إليهم .
فاذن تقليد هؤلاء الأعاظم الّذين اصطفاهم اللّه تعالى وبعثهم لتكميل العباد وإرشادهم إلى صلاح « 188 » المعاش والمعاد ، وقد إذ عن لكلامهم الفلاسفة ، أولى وأحرى من
هامش
( 184 ) استدلالهم . س . ف . ن .
( 185 ) تصانيفنا . ف . ق . ن .
( 186 ) المتقدمون من المشائين . ف .
( 187 ) ينفر . ن .
( 188 ) مصالح . س . ف . ن .