وما ذكره من قياس الاختيار على الإيجاب في عدم الاستناد إلى السبب ، ليس بشيء ، فإنّ الايجاب عبارة عن الاقتضاء ، ولا محالة ينتهى إلى ما يكون مقتضيا لذاته ، وينتهى إليه السؤال [ بلم ] « 165 » فنسبة الإيجاب إلى أحد الطرفين ليس مساويا بالنّسبة إلى الاخر ، حتّى يجرى فيه السؤال ، بخلاف الاختيار ، فإنّ تعلّقه بكلا الطرفين ممكن ، إذ لو امتنع تعلّقه بأحدهما ، لم يتحقّق الاختيار بالمعنى الّذي يثبته المتكلّمون ، وهو أنّه يصحّ منه الفعل والترك .
فقوله : لم أوجب الموجب هذا دون ذاك ، مندفع بأنّ ذاته لذاته يقتضى هذا دون ذاك ، ولا يجرى مثله في الاختيار ، بعد تسليم جواز تعلّقه بالطرفين .
بل الوجه أن يقال : تعلّق الإرادة بأحد الطرفين ، مرجّح في الواجب تعالى ، لجوده وحكمته ، ولا يقدح في ذلك كونه فاعلا بالاختيار ، وكونه بحيث يصحّ منه الفعل والترك ، فإنّه يصحّ منه الفعل والترك بالنظر إلى ذاته ، وإن تعيّن أحد الطّرفين نظرا إلى حكمته ، والوجوب بسبب الاختيار لا ينافي الاختيار بل يستلزمه .
وهذا كما أنّ العاقل يستحيل منه ما دام عاقلا أن لا يغمض عينه عند تقريب إبرة من عينه بقصد الغزز [ 1 ] فيها « 166 » ومع ذلك هذا الإغماض إنّما يصدر عنه بالاختيار .
الوجه الثّاني :
من وجوه استدلالهم على قدم العالم ، مبنى على وجود الزمان وقدمه ، أمّا وجوده فقد استدلّوا عليه بوجهين .
الأوّل : إنّا نفرض حركة في مسافة معيّنة ، بقدر معيّن من السّرعة ، وأخرى بهذا القدر فيها ، فإن توافقتا في الأخذ والترك ، بأن ابتدأتا معا وانتهتا معا ، فلا محالة تقطعان المسافة معا ، وإن تخالفتا في الأخذ و [ توافقتا في ] « 167 » الترك ، فبالضرورة تقطع الثّانية أقلّ من الأولى ، وكذا إن توافقتا في الأخذ والترك وكان إحداهما أبطأ ، فإنّه يقطع أقلّ .
فبين أخذ السريعة الأولى وتركها ، إمكان قطع مسافة معيّنة بسرعة معيّنة ، وإمكان قطع مسافة أقلّ منه ببطء معين ، وبين أخذ السريعة الثّانية وتركها إمكان أقلّ من الإمكان الأوّل ، لكونه جزء من ذلك الإمكان .
هامش
( 165 ) ليس في نسخة . ح
( 166 ) فيه . ح . ق .
( 167 ) ليس في نسخة « ح » و « ق » و « ن » .
( 1 ) الغزز - بفتح الأوّل والثّاني وحروف المعجمة الطعن والوخز والغزز بالإبرة . الطعن به غير نافذة .