وقد يقال : البديهة شاهدة بأنّ كلّ حادث وجوديّا كان [ أو عدميّا ] « 154 » أو اعتباريا ، يحتاج في حدوثه إلى سبب يخصّصه بوقت حدوثه هذا كلامه .
وأقول : تفصيل هذا الجواب .
إنّا نختار تارة حدوث التعلّق من غير سبب ، ونمنع استلزامه جواز حدوث العالم بلا سبب ، لأنّ التعلّق أمر اعتبارىّ ، ولا يلزم من جواز حدوث أمر اعتبارىّ بلا سبب ، جواز حدوث أمر موجود بلا سبب .
وأخرى أنّ حدوث التعلّق بالاختيار ، وحدوث تعلّق الاختيار باختيار الاختيار ، وهكذا إلى غير النهاية ونمنع بطلان هذا التسلسل لأنّه في الأمور الاعتبارية .
وأخرى يقال : اختيار الاختيار عين الاختيار فلا يتسلسل .
وأنت خبير بحال هذه الأجوبة .
أمّا الأوّل فلأنّ رجحان أحد طرفي المتساويين موجودا كان أو اعتباريّا من غير مرجّح مطلقا ، ممتنع بحكم البديهة ، فإنّ التساوي ينافي الرجحان ، والوقوع رجحان فما دام التساوي باقيا لا يتحقّق الرجحان فلا يتحقّق الوقوع .
وأمّا الثّاني فإن وجب كون أثر المختار متأخّرا عن الاختيار ، كما ذهب إليه أكثر المتكلّمين ، فيلزم أن يكون بين كلّ اختيار وحدوث الاختيار الّذي هو متعلّقه زمان أو آن ، على ما ذهبوا إليه من جواز تتالى الآنات ، فينبغي « 155 » أن يعرض للواجب من الأزل إلى وقت حدوث الحادث اختيارات متعاقبة غير متناهية ، كلّ منها يتعلّق بالاختيار الّذي يحدث عقيبه « 156 » ، إلى أن ينتهى إلى الاختيار الّذي يتعلّق بوجود الحادث ، وإن لم يجب ذلك [ 1 ] ، بل جاز مقارنته له ، كما هو مذهب المحقّقين المجوّزين لكون أثر المختار قديما .
فلا يجوز فيما نحن فيه أن يكون كلّ اختيار مقارنا لمتعلّقه ، وإلّا لزم قدم العالم ، بل لا بدّ أن يكون تلك الاختيارات متعاقبة ، إلى أن ينتهى إلى الاختيار المتعلّق بايجاد العالم ، على نحو تعاقب الأوضاع المنتهية إلى وجود الحادث على مذهب الفلاسفة .
ولا يلزم كونه تعالى محلّا للحوادث ، لأنّ تلك الاختيارات أمور اعتبارية إضافية ، ولا
هامش
( 154 ) ليس في نسخة . س .
( 155 ) فيلزم . س . ق . ن . ( خ ل ) . ح .
( 156 ) عقبه . س . ف . ن .
( 1 ) أي اثر المختار متأخّرا عنه . منه .