العدد أصلا ، والاشتباه إنّما وقع من حيث أنّ الوهم يذهب إلى أنّ تلك الأمور المتعاقبة يجتمع في محلّ واحد ، على قياس الأمور الّتي تمرّ علينا واحدا بعد واحد ويجتمع في مكان واحد ، وليس كذلك فإنّ العدم فقد الذات بالكلّيّة ، فالموجود منها واحد فقط دائما فكيف يوجد العدد .
قلت : الموجود في كلّ قطعة من الزمان أو في كلّ آن يفرض فيه ليس إلّا متناهيا ، ولكن جميع الآحاد قد وجد في جميع الأزمنة ، فهذا العدد موجود ، غايته أنّ ظرف وجوده جميع الأزمنة لا جزء منها ، ولا آن من الآنات المفروضة فيها ، والموجود أعمّ من أن يكون ظرف وجوده الزمان كلّا أو بعضا ، أو الان المفروض فيه « 51 » .
فإنّ من الموجودات ما هو زماني الوجود كالحركة ، ومنها ما هو آنىّ الوجود ، كبعض الحروف ، بل منها عندهم ما ليس ظرف وجوده الزمان ولا الان « 52 » بل ينسبون وجودها « 53 » إلى الدّهر والسرمد ، فإنّهم يقولون نسبة المتغيّر إلى المتغيّر هو الزّمان ، ونسبة الثابت إلى المتغيّر هو الدهر ، ونسبة الثابت إلى الثابت ، هو السرمد ، كما لا يخفى على العارف بقواعدهم .
وإذا كان الوجود اعمّ من الأقسام الأربعة ، فدعوى انحصاره في اثنين منها غير مسموعة ، وهذا الكلام إذا أورد عليهم بصورة النقض التفصيلي على دليلهم على جواز مثل هذا التسلسل ، يظهر عجزهم عن إثبات مدعائهم ، وأمّا إذا أورد بصورة النقض الإجمالي ، فهم بحسب آداب المناظرة مانعون ، وفضاء المنع واسع ، لكنّ لا يقنع النفس الزكيّة في مثل هذا المطلب الجليل بمجرد المنع ، بل ينبعث إلى طلب ما يثلج [ 1 ] به الصّدور ، ويسكن به غلّة [ 2 ] الطلب « 54 » واللّه يحقّ الحقّ ويهدى السبيل .
ثمّ إنّهم ذكروا أنّ بطلان التسلسل مشروط بالترتّب بين الآحاد ، وأنّ التسلسل في الأمور المجتمعة الغير المتناهية « 55 » جائز ، بل واقع ، فإنّ النفوس الناطقة غير متناهية عندهم ، لكن لمّا لم يكن بينها ترتّب حكموا بجوازه ، بناء على أنّه لا يمكن للعقل ملاحظة تلك الآحاد مفصّلة ،
و
هامش
( 51 ) المفروضة فيه . س .
( 52 ) ولا جزؤه ولا الان . س .
( 53 ) وجوده . س . ف . ن .
( 54 ) بل يلتفت إلى طلب ما يقنع به القلب ويسكن به الصدر . ن
( 55 ) الغير المترتبة . س .
( 1 ) يثلج - من نصر ينصر أي يرتاح ويطمئنّ .
( 2 ) الغلّة - بضمّ الأوّل وفتح الثّاني مشدّدا العطش الشديد .