يصدق عليه الحادث ، إذ ما كان مقارنا مع واحد منها لا يصدق عليه أنّه سابق على كلّ منها ، بل على بعضها ، وهو ظاهر بضرورة العقل ، فيلزم من توارد الحوادث الغير المتناهية على المادّة القديمة أنّه لا يوجد لها تلك الحالة « 31 » بل يجب مقارنته دائما مع بعض الحوادث ، وعدم خلوّه عنها في حال من أحواله ، فلا يكون سابقا على كلّ فرد منها ، إذ المنافاة بين دوام المقارنة مع بعض الأفراد والسبق على كلّ فرد بديهة .
ويعلم من هذا بطلان قولهم بعدم تناهى الحركات الفلكية « 32 » وأوضاعها ، بل بطلان عدم تناهى حوادث متعاقبة ، مع وجود قديم مطلقا « 33 » ، سواء كانت تلك الحوادث واردة على ذلك القديم عارضة له أولا .
ومنشأ شبهتهم التباس حكم الوهم بحكم العقل ، فإنّ شأن الوهم إدراك الجزئيّات ومعرفة أحكامها ، لا معرفة أحكام الكلّيّات ، فيتصوّر حوادث كثيرة متعاقبة متواردة على قديم ، كلّ منها مسبوق بآخر ، ولا يرى فيه جهة امتناع ، ولا يقدر على تصوّرها مفصّلة غير متناهية ، حتّى يعرف امتناعها ، فيقيسها على ما عرف حكمه ، ويثبت لها ذلك الحكم .
وأمّا العقل فمن شأنه ادراك الكلّيّات ومعرفة أحكامها ، فيحكم بامتناع التوارد المذكور ، بناء على حكم كلّى هو أنّه كلّما تواردت الحوادث المتعاقبة الغير المتناهية على قديم لم يكن سابقا على كلّ فرد منها [ لكن يمتنع عدم سبقه على كلّ فرد منها ] « 34 » .
وهذا برهان متين لا مجال للقدح فيه إلّا على طريق المكابرة والعناد ، وهذه كلمات هذا الفاضل بحروفها .
أقول : لا يخفى على من له أدنى دربة [ 1 ] بقواعد الفلاسفة ، أنّ هذا الدّليل على الوجه الّذي قرّره لا يلائم قواعدهم ، فإنّهم يشترطون في بطلان التسلسل مع الترتّب « 35 » اجتماع الآحاد في الوجود ، واللازم على تقرير احتياج الحادث إلى شرط آخر احتياجه إلى حادث آخر ، وهكذا إلى غير النهاية ، ولا يلزم اجتماع تلك الحوادث في الوجود ، حتّى يلزم التسلسل المستحيل عندهم ، بل هم قائلون بتسلسل الحوادث [ الغير المتناهية ] « 36 » المتعاقبة ، وهذا التسلسل ليس
هامش
( 31 ) . ان لا يوجد له تلك الحالة . س .
( 32 ) . الأفلاك . س . ف .
( 33 ) مطلقا أي . س . ف .
( 34 ) . الزيادة في نسخة . ح .
( 35 ) الترتيب . ح .
( 36 ) ليس في نسخة . س
( 1 ) دربة - بضمّ الأوّل وسكون الثّاني وفتح الثّالث - الحذاقة في صناعة . الجرأة .