تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثلاث رسائل ( وبذيله رسالة هياكل النور ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
الناطقة الإنسانيّة فبعضهم قائل بقدمها ، وربّما ينقل عن أفلاطون ، وهذا مخالف لما ينقل عنه من حدوث العالم ، والمشاءون منهم ومعظم ما عداهم على حدوثها . ونحن نشتغل أوّلا بالكلام على دلائلهم في ذلك المطلب على وجه يقبله ذو الفطرة السليمة ، والفطنة القويمة ، لا بمجرّد الجدال كما ارتكبه أكثر من تصدّى لردّ كلامهم من ايراد المناقشات الواهية والمنوع [ 1 ] البعيدة عن العقول الداهية ، بل بتحقيقات رائفة يركن إليها النّفوس الزكيّة ، وتدقيقات فائقة يقبلها الطّباع الذكية ، أعنى الّذين يعرفون الرجال بالحقّ ، لا الحقّ بالرجال ، ويتخيّرون المقال بالحدس الصائب لا بتقادم الآجال ، ولا يلتفتون إلى وساوس أهل الجدال وهواجس [ 2 ] أهل القيل والقال ، ومن اللّه تعالى أسأل التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق . اعلم أنّهم استدلّوا على قدم العالم بوجوه . الأوّل أنّ العالم ممكن موجود ، وكلّ ممكن موجود فله علّة مؤثرة ، فمؤثّر العالم لا بدّ أن يكون قديما ، أو ينتهى إلى مؤثّر قديم ، ولا يخلو من أنّ هذا المؤثّر القديم يستجمع في الأزل جميع ما يتوقّف عليه تأثيره فيه أولا ، وعلى الأوّل يلزم قدم العالم ، لامتناع تخلّف المعلول عن المؤثّر التامّ ، وعلى الثّاني يحتاج إلى شرط آخر حادث وننقل الكلام إليه . ونقول : إمّا أنّ يستجمع مؤثّره القديم في الأزل جميع شرائط التّاثير فيه أولا ، وعلى الأوّل يلزم قدمه ، وعلى الثّاني يلزم التّسلسل . وأنت تعلّم أنّ هذه المقدّمات بمجرّدها لا يثبت مذهبهم على ما فصّلناه آنفا نعم بعد تسليمها يثبت القدم من « 13 » جنس الحوادث [ 3 ] ، وإنّما يثبت ما فصل من مذهبهم بأنّ يضمّ إلى ذلك ، أنّ الحوادث لا بدّ أن يستند إلى مادّة مستعدّة ، أو إلى حركة « 14 » سرمديّة ، ثمّ يثبت أنّ المادّة والجسم الّذي هو معروض تلك الحركة ، لا يمكن صدورها عن المبدأ الأوّل بلا واسطة بناء على أنّه واحد من جميع الوجوه ، والواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد . والمادّة متأخّرة في الوجود عن الصورة ، فلا تكون صادرا أوّل ، والصّورة المتشخّصة « 15 »
هامش
( 13 ) في . س . م . ن .
( 14 ) لا بدّ أن يستند إلى مادّة مستعدة وإلى . س - لا بدّ أن يستند إلى مادة مستندة إلى حركة . ف .
( 15 ) المشخصة . ن .
( 1 ) المنوع - بضمّ الأوّل والثّاني جمع « منع » . ( 2 ) الهواجس - جمع الهاجس . ما يخطر ويقع في البال . ( 3 ) القدم الجنسي هو أن يكون فرد من افراد العالم لا يزال على سبيل التعاقب موجودا .