فقلت لجالينوس : إنّه يريد أن يقرأ هذا الكتاب في الطبّ ، واللائق أن يفتتح عندكم تبرّكا ، فلم يقبل وأشار إلى أن يفتتح عندي ، فسألته هل هذه الأقوال الّتي ينقل عنكم في الكتب ، نقلها عنكم صادق أو كاذب ، وكان في خاطري مثل هذا من المذاهب الّتي ينسب إليه ، فقال بعضها صادق وبعضها كاذب .
هذا ولنشرع في المقصود مستمدّا من ولىّ الجود .
فنقول : ذهب أهل الملل الثلاث إلى أنّ العالم وهو ما سوى اللّه تعالى وصفاته من الجواهر والأعراض حادث ، أي كائن « 5 » بعد أن لم يكن ، بعدية حقيقة لا بالذات فقط ، بمعنى أنّها في حدّ ذاتها لا يستحق الوجود ، فوجودها متأخّر عن عدمها بحسب الذات ، كما يقوله الفلاسفة ويسمّونه الحدوث الذاتي ، على ما « 6 » في تقرير هذا الحدوث ، على وجه يظهر به تأخّر الوجود عن العدم بحث « 7 » دقيق ، أوردناه في حاشية شرح التجريد الجديد .
وذهب جمهور الفلاسفة إلى أنّ العقول والأجرام الفلكية ونفوسها قديمة ، ومطلق حركاتها وأوضاعها وتخيّلاتها أيضا قديمة ، فإنّها لم تخل قطّ عن حركة ووضع وتخيّل لجزئيات الحركة ، وبعضهم يثبتون لها بسبب استخراج الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل ، وحدوث مناسبة لها بمبدئها الكامل ، من جميع الوجوه ، كمالات تفيض على نفوسها من المبادى .
لكن محققيهم على ما ذكره أبو نصر وأبو علي في تعليقاتهما نقلا عن أرسطاطاليس ، ذهبوا إلى أنّ المطلوب لها نفس الحركة ، وبها يتمّ التشبّه بمباديها ، فإنّها بالفعل من حيث الذّات وسائر الصفات إلّا فيما يتعلّق بالحركة من الأوضاع الجزئية ، فإنّها لا يحتمل الثبات بالشخص ، فاستحفظ نوعها تتميما للتشبّه بالمبادئ الّتي هي بالفعل من جميع الوجوه بقدر الإمكان ، ولمّا كان التشبّه لازما للحركة ، جعلوها « 8 » الغاية المطلوبة باعتبار اللازم « 9 » ، والعنصريّات بموادّها ومطلق صورها الجسميّة و [ النوعيّة ومطلق ] « 10 » أعراضها « 11 » قديمة عندهم .
لا أقول : إنّ الصّورة الجسميّة بشخصها قديمة عندهم ، لأنّ مذهبهم أنّه بالفكّ ينعدم الصّورة الواحدة ويحدّث اثنتان ، وباتّصال المنفصل ينعدم الاثنتان « 12 » ويحدث واحدة ، نعم الإشراقيون منهم على بقاء الصّورة الجسميّة مع طريان الاتّصال والانفصال ، وأمّا النّفوس
هامش
( 5 ) أي كانت . ن
( 6 ) على أنّ ما في . ن .
( 7 ) بحثا دقيقا . س . ن - من بحث دقيق . ف .
( 8 ) جعلها . ج . ف .
( 9 ) الملازمة . س . ف .
( 10 ) ليس في نسخة . ف .
( 11 ) ومطلق الأعراض . س .
( 12 ) الصورتان . س . ف .